في مال المطلّق كما تقضى عليه سائر الديون الواجبة عليه ، سواء دخل بها أو لم يدخل ، فرض لها أو لم يفرض إذا كان الطلاق من قبله ، فأما إذا كان الفراق من قبلها فلا متعة لها ولا مهر ، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وأبي العالية ومحمد بن جرير ، قال : لقوله تعالى :
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
فأوجب المتعة لجميع المطلقات ولم يفرّق ، ويكون معنى الآية على هذا القول : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة أو لم تفرضوا لهنّ فريضة ، لأنّ كل منكوحة إنما هي احدى اثنتين : مسمّى لها الصداق أو غير مسمّى لها فعلمنا بالذي نقلوا من قوله
أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
أن المعنيّة بقوله :
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
المفروضات لهن
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
وغير المفروض لها إذ لا معنى لقول القائل :
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
ثم قال :
وَمَتِّعُوهُنَّ
يعني الجميع .
وقال آخرون : المتعة واجبة لكل مطلّقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدخول فإنه لا متعة لها وإنما لها نصف الصداق المسمّى ، وهذا قول عبد الله بن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي ، ويكون وجه الآية على هذا القول لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة ، الألف زائدة كقوله
أَوْ يَزِيدُونَ
ونحوها ، ثم أمر بالمتعة لهنّ .
ويجوز أن يكون قوله
وَمَتِّعُوهُنَّ
راجعا إلى المطلقات غير المفروضات قبل المسيس دون المفروضات لهنّ ، ويكون قوله في عقبه :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
مختصا له ، فجرى في أول الآية على ظاهر العموم في المفروضات وغير المفروضات ، وفي قوله
وَمَتِّعُوهُنَّ
على التخصيص في غير المفروضات للآية التي بعدها .
وقال الزهري : متعتان يقضي بأحدهما السلطان ولا يقضي بالأخرى ، بل يلزمه فيما بينه وبين الله ، فأمّا التي يقضي بها السلطان فهو فيمن طلق قبل أن يفرض لها ويدخل بها فإنه يؤخذ بالمتعة وهو قوله :
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
.
والمتعة التي تلزم فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي به السلطان هي فيمن طلق بعد ما يدخل بها ويفرض لها وهو قوله :
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
وقال بعضهم : ليس شيء من ذلك بواجب ، وإنما المتعة إحسان والأمر بها أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب ، وهو قول أبي حنيفة ، وروى ابن سيرين أنّ رجلا طلّق امرأة وقد دخل بها ، فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح : لا تاب أن يكون من المحسنين ولا تاب أن يكون من المتقين ولم يجبره على ذلك .
واختلفوا في قدر المتعة ومبلغها ، فقال ابن عباس والشعبي والزهري والربيع بن أنس :