السفلى . فأخصبوا ، وكثرت أموالهم ، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا . فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم ، بعث اللّه عز وجل عليهم جرذا ، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم ، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه . وكان كاهنا فقال : ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة . فدعى ابن أخ له فقال : إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني . فقل : أي عم أعطني ميراثي من أبي . فإني سأقول : وهل ترك أبوك شيئا ؟ فاردد علي وكذبني . فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني . فقال : أي عم ما كنت لأفعل هذا بك ؟ قال :
بلى . فلما رأى لعمه في ذلك هوى . قال : أفعل ما تأمرني ، ففعل . فقال عمران بن عامر : للّه علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي . فلما عرفوا منه الجد قال هذا : أعطيك كذا . فنظر إلى أجودهم صفقة . فقال : عجل إلى مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها ، فعجل إليه ماله ، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم ، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم ، وتفرقوا في البلدان . فذلك قوله :
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ
فِي مَسْكَنِهِمْ
قرأ الكسائي :
فِي مَسْكَنِهِمْ
بكسر الكاف والنون . وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص :
مَسْكَنِهِمْ
بنصب الكاف وكسر النون . وقرأ الباقون : مساكنهم بالألف . والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع . والمساكين جمع مسكين .
وقد قيل : المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم
آيَةٌ
أي : علامة ظاهرة لوحدانيتي
جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ
يعني : بستانان عن يمين الوادي ، وعن شماله .
وإنما أراد بالبستان البساتين . ويقال : بساتين عن يمين الطريق ، وبساتين عن شماله . فأرسل اللّه تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ
يعني : من فضل ربكم
وَاشْكُرُوا لَهُ
فيما رزقكم
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
يعني : هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة
وَرَبٌّ غَفُورٌ
لمن تاب من الشرك
فَأَعْرَضُوا
عن الإيمان . وقالوا : من ذا الذي يأخذ منا النعم
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
والعرم هو اسم لذلك الوادي . ويقال : اسم للمنشأة . ويقال : هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء . وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها ، وندت أنعامهم ، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته ، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ
يعني : أبدلهم اللّه تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك
وَأَثْلٍ
يعني : الطرفاء
وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ
والسدر كانوا يستظلون في ظله ، ويأكلون من ثمره . وقرأ أبو عمرو :
أُكُلٍ
بكسر اللام بغير تنوين . وقرأ الباقون :
بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد
ذَواتَيْ
ثمر يؤكل ثم قال :
خَمْطٍ
بدلا من أكل . والمعنى :
ذواتي خمط وأكله ثمرة . ومن قرأ : بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط . والخمط هو الأراك