الَّذِينَ عادَيْتُمْ
، كفار مكة .
مِنْهُمْ مَوَدَّةً
؛ وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه ، فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم ، فشق ذلك على بعضهم ، فنزل
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
يعني : صلة . قال مقاتل : فلما أسلم أهل مكة ، خالطوهم وناكحوهم ، فتزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأسلمت وأسلم أبوها .
ويقال : يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام ؛ وهذا القول أصح ، لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك .
وَاللَّهُ قَدِيرٌ
على المودة ؛ ويقال :
قَدِيرٌ
بقضائه وهو ظهور النبي صلّى اللّه عليه وسلم على أهل مكة .
وَاللَّهُ غَفُورٌ
لمن تاب منهم ،
رَحِيمٌ
بهم بعد التوبة .
ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ، وهم خزاعة وبنو مدلج ، فقال عز وجل :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
يعني : عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين ،
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
يعني : أن تصلوهم ،
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
يعني : تعدلوا معهم بوفاء عهدهم .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يعني : العادلين بوفاء العهد ، يقال : أقسط الرجل ، فهو مقسط إذا عدل . وقسط يسقط ، فهو قاسط إذا جار .
ثم قال عز وجل :
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
يعني : عن صلة الذين يقاتلوكم في الدين ، وهم أهل مكة ، ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب .
وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ
يعني : عاونوا على إخراجكم من دياركم .
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ
يعني : أن تناصحوهم .
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
منكم يعني : يناصحهم ويحبهم منكم ،
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يعني : الكافرون الظالمون لأنفسهم .
قوله عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ
؛ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم صالح أهل مكة يوم الحديبية ، وكتب بينه وبينهم كتابا : « إنّ من لحق من المسلمين بأهل مكّة فهو منهم ، ومن لحق منهم بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ردّه عليهم » . فجاءت امرأة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، فجاء زوجها في طلبها ، فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : ارددها فإنّ بيننا وبينك شرطا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّما كان الشّرط في الرّجال ولم يكن في النّساء » . فأنزل اللّه تعالى :
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ
نصب على الحال
فَامْتَحِنُوهُنَّ
يعني : اختبروهن ، ما أخرجكن من بيوتكن ؟
فَامْتَحِنُوهُنَّ
يعني : اسألوهن ، ويقال : استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصا على الإسلام ، ولم تكن لكراهية الزوج ، ولا لغير ذلك
اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ
يعني :
أعلم بسرائرهن .
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ
يعني : إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام ، ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها ،
فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
يعني : لا تردوهن إلى أزواجهن .
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ
يعني : لا تحل مؤمنة لكافر ،
وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
يعني : ولا نكاح كافر لمسلمة .