ابْتَدَعُوها
يعني : الرهبانية ، والخروج إلى الصوامع ، والتبتل للعبادة
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
يعني : ما أوجبنا عليهم ، ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان اللّه . يعني : أمرناهم بما يرضي اللّه تعالى لا غير ذلك . ويقال :
ابْتَدَعُوها
لطلب رضى اللّه تعالى
فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
يعني : لم يحافظوا على ما أوجبوا على أنفسهم . ويقال : فما أطاعوا اللّه حين تهودوا ، وتنصّروا .
قال اللّه تعالى :
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ
في الآخرة
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
يعني : عاصين . وهم الذين تهودوا . وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئا ، لم يكن واجبا عليه أن يتبعه ، ولا يتركه ، فيستحق اسم الفسق . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : عليكم بإتمام هذه التراويح ، لأنها لم تكن واجبة عليكم . فقد أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
.
[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 28 إلى 29 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 )
ثم قال عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
يعني : أطيعوه فيما يأمركم به ، وفيما ينهاكم عنه ،
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني : اثبتوا على الإسلام بعد نبيكم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ويقال يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم : آمنوا باللّه ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
يعني : أجرين من فضله ، ويقال : لما نزلت في أهل مكة
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ
[ القصص : 54 ] ، حزن المسلمون ، فنزل فيهم
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
وأصل الكفل النصيب ، يعني : نصيبين من رحمته ، أحدهما : بإيمانه بنبيه قبل خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والآخرة الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم .
ثم قال عز وجل :
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
يعني : يجعل لكم سبيلا واضحا تهتدون به ،
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
يعني : يغفر لكم ذنوبكم ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يعني : يغفر الذنوب للمؤمنين
رَحِيمٌ
بهم ،
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
ولا مؤكدة في الكلام ، ومعناه لأن يعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللّه ورحمته ، يعني :
مؤمني أهل الكتاب ، يعلمون أنهم لا يقدرون من فضل اللّه إلا برحمته لا برحمته ،
وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
يعني : الثواب من اللّه تعالى
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
من كان أهلا لذلك من العبادة
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
يعني : هو المعطي وهو المانع واللّه أعلم بالصواب .