تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وإن لم يسبق ذكرهما ، لأن في الكلام دليلا ، وقد ذكرهما من بعده ، وهو قوله :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
وقال :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
يعني : فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس
تُكَذِّبانِ
يعني : تتجاحدان بأنها ليست من اللّه تعالى . قال بعضهم : آلاء الله ونعماء اللّه واحد . إلا أن الآلاء أعم ، والنعماء أخص . ويقال : الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد ، والنعماء : النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب ، كقوله :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ لقمان : 20 ] وقال بعضهم : الآلاء إيصال النعم ، والنعماء رفع البلايا . مثاله أن رجلا لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء . وكذلك لسان الأخرس ، ورجل مقعد ، فله الآلاء ، وليست له النعماء . وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما ، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية ، وإيصال النعمة . فكل ذلك سماه الآلاء . وروى محمد بن المنذر ، عن جابر ، بن عبد اللّه ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قرأ على أصحابه سورة الرحمن ، فسكت القوم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الجنّ كانوا أحسن ردّا منكم ، ما قرأت عليهم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
إلّا قالوا : ولا بواحدة منها فلك الحمد » . وفي رواية أخرى : أنه قال : « ما قرأت عليهم إلّا قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد » . ثم قال :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
يعني : آدم
مِنْ صَلْصالٍ
يعني : الطين اليابس الذي يتصلصل أي : يصوت ، كما يصوت الفخار . ويقال : الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء ، وتشقق .
كَالْفَخَّارِ
يعني : الطين الذي يصنع به الفخار . وقال في موضع آخر :
خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الحج : 5 ] وقال في موضع آخر :
مِنْ طِينٍ *
[ السجدة : 7 ] وقال في موضع آخر :
مِنْ صَلْصالٍ *
فهذا كله قد كان حالا بعد حال .
وَخَلَقَ الْجَانَّ
يعني : أبا الجن . ثم قال هو إبليس :
مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ
يعني : من لهب من نار ، وليس لها دخان . وقال بعضهم : خلق من نار جهنم . وقال بعضهم : من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء ، ومنها يكون البرق ، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة . ثم قال :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
يعني : فبأي نعمة أنتم . يعني : خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة ، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة . فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من اللّه تعالى ؟ . ثم قال :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
يعني : هو
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ
مشرق الشمس ، ومشرق القمر . وقيل : مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف
وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
يعني : مغرب الشتاء ، والصيف . ثم قال :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
يعني : نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس