خلق الأصناف كلها
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
يعني : ألوانا من النبات والثمار . ففي كل شيء خلق اللّه تعالى دليلا على وحدانيته تعالى وربوبيته
وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
يعني : خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى ، وألوانا مختلفة
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
يعني : وخلق من الخلق ما لا يعلمون ، وهذا كقوله :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 8 ] .
ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها ، فقال عز وجل :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
يعني : علامة وحدانيته الليل
نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
يعني : نخرج ونميز منه النهار
فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
يعني :
داخلون في الظلمة . ويقال : يبقون في الظلمة . ويقال : إن اللّه خلق الدنيا مظلمة .
ثم قال :
وَالشَّمْسُ
سراجا ، فإذا طلعت الشمس ، صارت الدنيا مضيئة . وإذا غربت الشمس ، بقيت الظلمة . كما كانت ، وهو قوله تعالى :
نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
يعني : ننزع الضوء منه
فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
يعني : يبقون في الظلمة . ويقال : نسلخ الليل . يعني : نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى منه شيء من ضوء النهار ، كما نسلخ الليل من النّهار ، فكذلك نسلخ النهار من الليل . فكأنه يقول : الليل نسلخ منه النهار . والنهار نسلخ منه الليل ، فاكتفى بذكر أحدهما ، لأن في الكلام دليلا . وقد ذكر في آية أخرى قال :
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
[ الزمر : 5 ] .
ثم قال عز وجل :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
قال مقاتل : يعني : لوقت لها . وقال الكلبي : تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها ، ولا تتجاوزها . ثم ترجع إلى أول منازلها .
وقال القتبي :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
يعني : إلى مستقر لها . ومستقرها أقصى منازلها في الغروب . وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة ، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع فذلك مستقرها ، لأنها لا تجاوزها . وطريق آخر ما روي عن أبي ذر الغفاري - رضي اللّه عنه - قال : كنت جالسا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم عند غروب الشمس ، فقال : « يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشّمس » ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : « فإنّها تغرب ، وتذهب حتّى تسجد تحت العرش ، وتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها ، حتّى تستشفع ، وتطلب ، فإذا طال عليها ، قيل لها : اطلعي مكانك ، فذلك قوله :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
قال : مستقرّها تحت العرش » .
ثم قال :
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
العزيز بالنقمة ، العليم بما قدّره من أمرها ، وخلقها . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ : والشّمس تجري لا مستقرّ لها يعني : لا تقف ، ولا تستقر ، ولكنها جارية أبدا .
ثم قال عز وجل :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو
وَالْقَمَرَ
بالضم وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأ بالضم ، فله وجهان . أحدهما أن يكون على الابتداء ،