فصل في الإيمان
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب ، لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب ، ولم يكن العرب يعرفون « 1 » الإيمان غير التصديق ، والنقل في اللغة لم يثبت فيه ، إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك ، كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء .
إذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم ، كقوله تعالى في قصة يعقوب عليه السّلام وبنيه
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
« 2 » : أي بمصدق لنا
وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
، ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب ، ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب ، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
والدليل عليه أيضا أنّ اللّه تعالى حيث ما ذكر الإيمان [ نسبه ] « 3 » إلى القلب فقال :
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
« 4 » ، وقال :
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
« 5 » ، وقال :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
« 6 » ، ونحوها كثير .
فأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء : كل شمس ضوء ، وليس كل ضوء شمسا « 7 » ، وكل مسك طيب ، وليس كل طيب مسكا ، كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا ، إذا لم يكن تصديقا ؛ لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع ، يدل عليه قوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
« 8 » من خوف السيف ،
وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
« الإيمان سرا » « 9 » [ 63 ] وأشار إلى صدره « والإسلام علانية » « 10 » [ 64 ]
، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معشر من أسلم بلسانه ، ولم يدخل الإيمان في قلبه » « 11 » [ 65 ] .
وكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان ، فأجاب في الإيمان بالتصديق ، وفي الإسلام بشرائع الإيمان ، وهو ما
روى أبو بريده ، وهو يحيى بن معمر قال : أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين ، فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألناه عما يقول هو : ما في القدر ؟ فوافقنا عبد اللّه ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه والآخر عن
هامش
( 1 ) في المخطوط : يعرف .
( 2 ) سورة يوسف : 17 .
( 3 ) زيادة اقتضاها السياق .
( 4 ) سورة المائدة : 41 .
( 5 ) سورة النحل : 106 .
( 6 ) سورة المجادلة : 22 .
( 7 ) في المخطوط : شمس .
( 8 ) سورة الحجرات : 14 .
( 9 ) تفسير مجمع البيان : 1 / 86 .
( 10 ) تفسير مجمع البيان : 1 / 86 .
( 11 ) كنز العمّال : 3 / 585 ، ح 8021 .