ثم قال :
لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
يعني : هلّا تسألون اللّه المغفرة ، ويقال هلا تؤمنون وتوحّدون اللّه تعالى وترجعون من الشرك لعلكم ترحمون ، يعني : لكي ترحموا ، فلا تعذّبوا .
قوله عز وجل :
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ
وأصله : تطيرنا بك يعني : تشاءمنا بك .
وَبِمَنْ مَعَكَ
، وذلك أنه قد أصابهم القحط بتكذيبهم إياه . فقالوا : هذا الذي أصابنا بشؤمك وشؤم أصحابك
قالَ
: لهم صالح
طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
، يعني : ما أصابكم فمن اللّه . ويقال : هذا الذي يصيبكم هو مكتوب عند اللّه ، ويقال : خيركم وشركم ورخاؤكم وشدتكم من عند اللّه عليكم بفعلكم . ويقال : عقوبتكم عند اللّه
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
، أي : تبتلون بذنوبكم ويقال :
تختبرون بالخير والشر ، وأصل الفتنة : هي الاختبار . ويقال : فتنت الذهب بالنار ، لتنظر إلى جودته .
قوله عز وجل :
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ
، يعني : في قرية صالح عليه السلام ، وهي الحجر
تِسْعَةُ رَهْطٍ
، كانوا أغنياء قوم صالح
يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
، يعني : يعملون بالمعاصي في أرض قريتهم ،
وَلا يُصْلِحُونَ
أي لا يطيعون اللّه تعالى فيها ، ولا يتوبون من المعصية ، ولا يأمرون بها . فسأل قوم صالح منه ناقة ، فصارت الناقة بلية لهم ، فكانت تأتي مراعيهم فتأكل جميع ما فيها ، فتنفر منها دوابهم ، وتشرب ماء بئرهم العذب الذي يشربون منه ، فجعلوا نيابة للشرب فتشرب ذلك اليوم الماء كله ، وتسقيهم اللبن حتى يرووا . فجاء هؤلاء التسعة وفيهم قذار بن سالف عاقر الناقة ، وكان ابن زانية أحمر أزرق ، ومصدع بن دهر وكانا قد قعدا لها ، فلما مرت بهما رماها مصدع بسهم ثم قال : يا قذار اضرب ، فضرب عرقوبها فعقروها ، ثم سلخوها ، واقتسموا لحمها ، فأوعدهم اللّه الهلاك ، وبيّن لهم العلامة بتغيير ألوانهم ، فاجتمع التسعة و
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ
، يعني : تحالفوا باللّه
لَنُبَيِّتَنَّهُ
، قرأ حمزة والكسائي بالتاءين وضم التاء الثاني
وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
، بالتاء وقرأ الباقون بالنون ، ونصب التاء ،
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
بالنون ونصب اللام . فمن قرأ بالنون جعل
تَقاسَمُوا
خبرا ، فكأنهم قالوا : متقاسمين فيما بينهم ،
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
أي : لنقتلنه وعياله . ويقال :
وَأَهْلَهُ
يعني : ومن آمن معه ، ومن قرأ بالتاء ، فمعناه : جعل
تَقاسَمُوا
أمرا ، فكان أمر بعضهم بعضا . وقال بعضهم لبعض : تحالفوا
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
لِوَلِيِّهِ
، يعني : لولي صالح إن سألونا فنقول
ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ
يعني : لهلاك أهله وقومه . ويقال : ما حضرنا عند هلاك أهله ،
وَإِنَّا لَصادِقُونَ
يعني : إنا لصادقون بما نقول لكم . ويقال : معناه إنا لصادقون عندهم ، فيصدقوننا إذا خرجنا من بيوتنا . ويقال :
إِنَّا لَصادِقُونَ
في قولنا .
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 50 إلى 53 ]
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 53 )