دخل معهم ، وإن وجدهم على غير الاستقامة أنكر عليهم . فقال لهم إبراهيم :
ما تَعْبُدُونَ
؟
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
أي : فنقيم عليها عابدين ، فأراد أن يبين عيب فعلهم فقال :
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ
يعني : هل تجيبكم الآلهة ، سمّى الإجابة سمعا ، لأن السمع سبب الإجابة
إِذْ تَدْعُونَ
يعني : هل يجيبونكم إذا دعوتموهم
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ
إذا عبدتموهم
أَوْ يَضُرُّونَ
يعني : يضرونكم إن لم تعبدوهم
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
يعني : وجدنا آباءنا يعبدونهم ، هكذا فنحن نعبدهم .
قالَ
لهم إبراهيم عليه السلام
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الإعلام ، يعني : اعلموا أن الذي كنتم تعبدون
أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ
وأجدادكم يعني : معبودكم ومعبود آبائكم وأجدادكم
الْأَقْدَمُونَ
يعني : الماضين
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
يعني : هم أعدائي
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
يقال معناه : إلا من يعبد رب العالمين . ويقال : كانوا يعبدون مع اللّه الآلهة ، فقال لهم : جميع ما تعبدون من الآلهة ، فهو عدو لي إلا رب العالمين ، فإنه ليس بعدوّ لي . ويقال : معناه أتبرأ من أفعالكم وأقوالكم ، إلا الذي تقولون : رب العالمين وهو قوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] ويقال :
إِلَّا
بمعنى لكن ، ومعناه : فإنهم عدو لي ، لكن رب العالمين ، يعني : لكن أعبد رب العالمين .
ثم وصف لهم رب العالمين فقال :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
يعني : يحفظني ويثبّتني على الهدى
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
يعني : هو الذي يرزقني ويرحمني . ثم قال :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
فقد أضاف سائر الأشياء إلى اللّه تعالى ، وأضاف المرض إلى نفسه ، لأن المرض بكسب يده كقوله عز وجل :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى :
30 ] وفيه كفارة وإذا كان أصله من كسب نفسه ، أضافه إلى نفسه .
ثم قال :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
يعني : يميتني في الدنيا ، ويحييني للبعث
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
يعني : أرجو أن يغفر خطيئتي ، وهو قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 89 ] ويقال قوله :
هذا رَبِّي *
[ الأنعام : 78 ] ويقال : ما كان نبي من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد همّ بزلة .
ثم قال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
يعني : النبوة
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
يعني : بالمرسلين في الجنة
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
يعني : الثناء الحسن في الباقين ، وإنما أراد بالثناء الحسن ، لكي يقتدوا به ، فيكون له مثل أجر من اقتدى به
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
يعني : اجعلني ممن ينزل فيها .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 86 إلى 89 ]
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 )