تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
قال : من هذا ؟ فقالوا : عمر بن الخطاب ، فأسلم أبو سفيان ، فانطلق به العباس إلى منزله ، فلما أصبح رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة ، فقال أبو سفيان للعباس : يا أبا الفضل ، أو أمروا فيّ بشيء ؟ قال : لا ، ولكنهم قاموا إلى الصلاة ، فتوضأ ثم انطلق به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الصلاة قاموا ، فلما كبر كبروا ، فلما ركع ركعوا ، فلما سجد سجدوا . فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل ، ما رأيت كاليوم طاعة قوم ، لا فارس الأكارم ، والروم ذات القرون . قال حماد بن زيد : فزعم يزيد بن حازم ، عن عكرمة أنه قال : يا أبا الفضل ، أصبح ابن أخيك عظيم الملك ، فقال له العباس : إنه ليس بملك ولكن نبوة . قال : هو ذاك . فقال حماد : قال أيوب ثم قال : « واصباح قريش » فقال العباس : يا رسول اللّه ، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم ، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئا يذكر به . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « فافعل » فركب العباس بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودخل مكة فنادى : يا أهل مكة أسلموا تسلموا فقد استبطأتم بأشهب باذل ، قد جاءكم الزبير من أعلى مكة ، وجاء خالد من أسفل مكة ، وخالد وما خالد ، والزبير وما الزبير ، ثم قال : من أسلم فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل وأغلق بابه فهو آمن ومن تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن . ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظهر عليهم ، فآمن الناس جميعا إلا بني بكر من أجل خزاعة ، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار ، فأنزل اللّه تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وهم خزاعة .
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
يعني : حقد قلوب خزاعة . وروى مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة ، آمن الناس إلا ستة نفر : عكرمة بن أبي جهل ، وعبد اللّه بن خطل ، ومقيس بن ضبابة ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وامرأتين فقال : « اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة » . وروى عبد اللّه بن رباح ، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سار إلى مكة ، ذكر إلى أن قال : « دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة ، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم ، فطاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالبيت فصلى ركعتين ، ثم أتى الكعبة ، فأخذ بعضادتي الباب فقال : « ما تقولون وما تظنّون ؟ » قالوا : نقول أخ كريم ، وابن عم حليم رحيم . قال : أقول كما قال يوسف : «
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
» فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الباب الذي يلي الصفا فخطب والأنصار أسفل منه ، فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه وأدركته الرغبة في قرابته ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقلتم كذا وكذا ؟ واللّه إنّي رسول اللّه حقّا ، إنّ محياه لمحياكم ، وإنّ مماته لمماتكم » . فقالوا : يا رسول اللّه ، قلنا مخافة أن تفارقنا ضنا بك . قال : « أنتم الصّادقون عند اللّه وعند رسوله » . قال اللّه تعالى :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
، يعني : من أهل مكة يهديهم اللّه لدينه .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بمن يؤمن من خلقه ،
حَكِيمٌ
في أمره .
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 44 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري