جبريل ، وأن جبريل عليه السلام أدى إليه الرسالة من اللّه عز وجل . قال اللّه تعالى :
إِنَّا نُبَشِّرُكَ
وقد بيّن ذلك في سورة آل عمران
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
[ آل عمران : 39 ] . ثم قال : هنا :
بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
، يعني : لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولدا يسمى يحيى ، ويقال : لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم ، ويقال : لم يكن بذلك الاسم في زمانه أحد ، وإنما سمي يحيى : لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها . ويقال : لأنه حي به المجالس ، ويقال : لأنه حيي به عقر أمه ، ويقال
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
أي نظيرا ومثالا . قرأ حمزة نبشرك بنصب النون وجزم الباء وضم الشين بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين
نُبَشِّرُكَ
.
فقال زكريا عند ذلك لجبريل عليه السلام :
قالَ رَبِّ
، يقول : يا سيدي
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
، يعني : من أين يكون لي ولد ؟ ويقال : إنما قال ذلك على وجه الدعاء للّه تعالى ، فقال :
يا رب من أين يكون لي ولد ؟
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
من الولد ،
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
، يقول : تحول العظم مني يابسا ، ومنه يقال : قلب عات ، إذا كان قاسي القلب غير لين ، ويقال لكل شيء انتهى : فقد عتى . ولم يكن زكريا شاكّا في بشارة اللّه عز وجل ، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون . قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي
عِتِيًّا
بكسر العين وكذلك
صِلِيًّا
و
جِثِيًّا *
وَبُكِيًّا
إلا أن عاصما خالفهما في
بُكِيًّا
، وقرأ الباقون كلها بالضم ، وكان أبو عبيدة اختار الضم ، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي رضي اللّه عنه .
قالَ
جبريل لزكريا
كَذلِكَ
، يعني : هكذا كما قلت إنك
قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
يعني : كما قلت أنك قد بلغت من الكبر عتيا ولكن اللّه عز وجل
قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
، يعني : خلقه عليّ يسير
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ
يعني : من قبل يحيى
وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
قرأ حمزة والكسائي وقد خلقناك بالنون مقدمة والألف مؤخره ، وقرأ الباقون
خَلَقْتُكَ
وهو اختيار أبي عبيدة .
قال زكريا عليه السلام :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
في الولد . روى أسباط ، عن السدي قال :
لما بشر زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عليه اللعنة فقال : إن هذا النداء الذي نوديت ليس من اللّه عز وجل ، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك ، ولو كان من اللّه عز وجل ، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك ، ف
قالَ
عند ذلك :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أعلم بها أن هذا النداء منك .
قالَ
اللّه تعالى له :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
أي : علامتك أن لا تستطيع أن تكلم الناس ثلاث ليال وأنت صحيح سليم من غير خرس ولا مرض . ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها ، ووضع الولد في رحمها ، فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس .