[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 124 إلى 126 ]
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 )
قوله عز وجل :
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
يقول : إنما أمروا في السبت بالقعود عن العمل
عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي : في يوم الجمعة . وذلك أن موسى عليه السلام أمرهم أن يتفرغوا للّه تعالى في كل سبعة أيام يوما واحدا ، فيعبدوه ولا يعملوا فيه شيئا من أمر الدنيا ، وستة أيام لصناعتهم ومعايشهم ، ويتفرغوا في يوم الجمعة . فأبوا أن يقبلوا ذلك اليوم ، وقالوا : إنّما نختار السبت ، اليوم الذي فرغ اللّه فيه من أمر الخلق . فجعل ذلك عليهم ، وشدد عليهم ، ثم جاءهم عيسى بالجمعة ، فاختاروا يوم الأحد . وقال مجاهد :
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي : في السبت اتّبعوه ، وتركوا الجمعة . وروى همام عن أبي هريرة أنه قال :
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة وأوتيناه من بعدهم يوم الجمعة ، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا اللّه له ، فهم لنا فيه تبع ، واليهود غدا ، والنصارى بعد غد » « 1 » .
ثم قال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
أي : يقضي بينهم
يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
من الدين ، فبيّن لهم الحق معاينة .
ثم قال عز وجلّ :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
أي : إلى دين ربك ، وإلى طاعة ربك
بِالْحِكْمَةِ
أي : بالنبوة والقرآن
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
أي : عظهم بالقرآن
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي : حاججهم ، وناظرهم بالحجة والبيان . ويقال : باللين . وفي الآية دليل أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة ، إذا قصد بها إظهار الحق . وهذا مثل قوله :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] وقوله :
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
[ الكهف :
22 ] .
ثم قال :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
أي : عن دينه
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
لدينه .
قوله عز وجل :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
قال ابن عباس : « وذلك حين قتل المشركون حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد ومثلوا به ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لئن أمكننا اللّه لنمثّلنّ بالأحياء فضلا عن الأموات » . فنزل
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
الآية ، وقال محمد بن كعب القرظي : « لما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حمزة بالحال التي هو بها حين
هامش
( 1 ) حديث أبي هريرة : أخرجه البخاري ( 876 ) و ( 2956 ) ( 6624 ) ( 7036 ) ومسلم ( 855 ) والنسائي 3 / 85 - 87 وأحمد 2 / 243 ، 249 ، 273 .