قوله تعالى :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ
، يعني : التقيتموهم يوم بدر
فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
في العدد . وروى أبو عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : « لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة . حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه ، فقال :
كنا ألفا » .
ثم قال :
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
يا معشر المؤمنين في أعين المشركين ، وذلك حين لقوا العدو وقلّل اللّه المشركين في أعين المؤمنين لكيلا يجبنوا ، وقلل المؤمنين في أعين المشركين ، ليزدادوا جرأة على القتال حتى قتلوا ، ولكي يظهر عندهم فضل المؤمنين .
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
، يعني : إذا قضى اللّه تعالى أمرا فهو كائن ، وهو النصرة للمؤمنين ، والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
، يعني : عواقب الأمور في الآخرة .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 47 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 )
ثم ثبت « 1 » المؤمنين على القتال فقال تبارك وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
، يعني : جماعة من الكفار
فَاثْبُتُوا
لهم وقاتلوهم مع نبيكم ،
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
؛ يعني : في الحرب ،
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
؛ يعني : تفوزون به وتؤمنون به .
ثم قال اللّه تعالى :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فيما يأمركم من القتال .
وَلا تَنازَعُوا
، يعني : لا تختلفوا فيما بينكم من القتال ،
فَتَفْشَلُوا
؛ يعني : فتجبنوا من عدوكم ،
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
. وقال مجاهد : يعني نصرتكم ، وذهبت ريحكم يوم أحد حين نازعتموه ؛ وقال الأخفش : يعني دولتكم . وقال قتادة : الريح الحرب ، وأصله في اللغة : تستعمل في الدولة ، ويقال : الريح له اليوم ، يراد به الدولة .
ثم قال :
وَاصْبِرُوا
، يعني : لقتال عدوكم .
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
، يعني : معين لهم وناصرهم .
وَلا تَكُونُوا
، يعني :
وَلا تَكُونُوا
يا أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
- معناه : قاتلوا لوجه اللّه تعالى ، ولا تقاتلوا رياء وسمعة « 2 » -
بَطَراً
يعني أشرا ورياء .
وأصله : الطغيان في النعمة .
وَرِئاءَ النَّاسِ
، يعني : لكي يذكروا بمسيرهم ، يقولون : تسامع الناس بمسيرنا . وقال محمد بن إسحاق : خرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا ، ومعهم مائتا فرس يقودونها ، وخرجوا ومعهم القينات يضربون بالدفوف ، ويتغنّين بهجاء المسلمين .
هامش
( 1 ) في النسخة « أ » « حرّض » .
( 2 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « أ » .