فدخل إبليس لعنه اللّه في صورة شيخ وعليه ثياب أطمار ، وجلس معهم فقالوا : من أدخلك أيها الشيخ في خلوتنا بغير إذننا ؟ فقال : أنا رجل من أهل نجد ، ورأيت حسن وجوهكم وطيب ريحكم ، فأردت أن أسمع حديثكم ، وأقتبس منكم خيرا ، وقد عرفت مرادكم ، فإن كرهتم مجلسي خرجت عنكم . فقالوا : هذا رجل من أهل نجد ، وليس من أرض تهامة ، لا بأس عليكم منه . فتكلموا فيما بينهم ، فقال عمرو بن هشام : أرى أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه ، وتجعلوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت . فقال إبليس : بئس الرأي الذي رأيت ، تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت ، وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه ، يوشك أهل بيته الذين له فيكم أن يقاتلوكم ويفسدوا جماعتكم . فقالوا : صدق واللّه الشيخ . ثم تكلم أبو البختري بن هشام قال : أرى أن تحملوه على بعير ثم تخرجوه من أرضكم ، حتى يموت أو يذهب به حيث شاء ، فقال إبليس : بئس الرأي الذي رأيت ، تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم ومعه منكم طائفة ، فتخرجوه إلى غيركم ، فيأتيهم سوء فيفسد منهم أيضا جماعة ، ويقبل إليكم ويكون فيه هلاككم . فقالوا : صدق واللّه الشيخ .
فقال أبو جهل : أرى أن يجتمع من كل بطن منكم رجل ، ثم تعطونهم السيوف فيضربونه جميعا ، فلا يدري قومه من يأخذون ، وتؤدي قريش ديته . فقال إبليس : صدق واللّه هذا الشاب .
فتفرقوا على ذلك ، فأمره اللّه تعالى بالهجرة وأخبره بمكر المشركين فنزلت هذه الآية
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ
، يعني : ليحبسوك في البيت
أَوْ يَقْتُلُوكَ
بالسيف ،
أَوْ يُخْرِجُوكَ
من مكة .
فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب بأن يبيت في مكانه ، ثم خرج ومعه أبو بكر ونام عليّ مكانه ، وأهل مكة يحرسونه ويظنون أنه في البيت ، ثم دخلوا البيت ، فإذا هو عليّ رضي اللّه عنه فقالوا : يا عليّ أين محمد ؟ فقال : لا أدري . فطلبوه فلم يجدوه .
وَيَمْكُرُونَ
، يعني :
ويمكرون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويريدون به الشر
وَيَمْكُرُ اللَّهُ
، يعني : ويريد بهم الهلاك حين أخرجهم إلى بدر فقتلوا .
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
، يعني : أصدق الماكرين فعلا ، وأفضل الصانعين صنعا ، وأعدل العادلين عدلا .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 31 إلى 32 ]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 ) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 )
قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا
، يعني : القرآن .
قالُوا قَدْ سَمِعْنا
، يعني قد سمعنا قولك .
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
، القرآن .
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
، نزلت في شأن نضر بن الحارث ، كان يحدث عن الأمم الخالية من حديث رستم وإسفنديار ، فقال : إن