ودرّس السبطُ أيضاً بالشبلية التي بالجبل عند جسر كُحيل ، وفوض إليه البدرية التي قبالتها ، فكانت سكنه ، وبها توفى ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ، وحضر جنازته سلطان البلد الملك الناصر يوسف ابن العزيز فمن دونه .
وأثنى عليه أبو شامة فقال : كان فاضلاً ، عالماً ، ظريفاً ، منقطعاً ، منكراً على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات ، وقد كان مقتصداً في لباسه ، مواظباً عل المطالعة والاشتغال ، والجمع والتصنيف ، ربى في طول زمانه في حياة طيبة وجاه عريض عند الملوك والعوامّ نحو خمسين سنة ، وقد كان مجلس وعظه مطرباً ، وصوته فيما يورده فيه حسناً طيباً .
وقد سُئِل يوم عاشوراء في زمن الملك الناصر يوسف صاحب حلب أن يذكر للناس شيئاً من مقتل الحسين رضي الله عنه ، فصعد المنبر وجلس طويلاً لا يتكلم ، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى ، ثم أنشأ يقول وهو يبكى شديداً :
ويلٌ لمنْ شفعاؤهُ خُصَمَاؤهُ * والصُورُ في نشر الخلائِق يُنْفَخُ
لا بُدّ تردَ القيامة فاطِمٌ * وقميصُها بدم الحسين مُلطخُ
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان — صفحة 134
مساهمون: العيني
ص١٣٤