وكل شيء منها أصفر . ويقال : أراد به البقرة السوداء ، لأن السواد الشديد يضرب إلى الصفرة ، كما قال تعالى :
كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
[ المرسلات : 33 ] ، وكما قال القائل :
تلك خيلي منه ، وتلك ركابي * هنّ صفر أولادها كالزّبيب
أراد بالصفر السود . ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين ، وكلهم اتفقوا أن المراد به صفراء اللون ، إلا قولا روي عن الحسن البصري .
قوله عز وجل :
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
، يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها ، فشددوا على أنفسهم و
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
، يعني إنها من العوامل أو من غيرها .
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
، أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
، يعني نهتدي للقاتل . ويقال : نهتدي إلى البقرة أي ندركها بمشيئة اللّه تعالى . وروي عن ابن عباس أنه قال :
لولا أنهم استثنوا لم يدركوها . وروي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أنّ بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم ، ولولا أنّهم قالوا
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
ما وجدوها » .
قالَ إِنَّهُ
، لهم موسى : إن ربكم
يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ
، يقول لم يذللها العمل .
وقال أهل اللغة : الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس ، يقال : رجل ذليل ، ودابة ذليلة بيّنة الذل .
تُثِيرُ الْأَرْضَ
أي تقلبها للزراعة . ويقال للبقرة : المثيرة
وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
، يعني لا يسقى عليها الحرث ، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع ، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئا من هذه الأعمال .
مُسَلَّمَةٌ
يقال : مهذبة سليمة من العيوب . ويقال : مسلمة من الألوان .
لا شِيَةَ فِيها
، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم : لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة . وقال أهل اللغة : أصله من وشى الثوب ، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة .
فلما وصف لهم موسى ذلك ،
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
، يعني الآن أتممت الصفة .
ويقال : الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب .
فَذَبَحُوها
، يعني البقرة
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
، أي كادوا أن لا يذبحوها . وقد قيل : إنما أرادوا أن لا يذبحوها ، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته . وقال بعضهم : وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن البقرة ، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل ، كان بارا بوالديه وكان يصلي ثلث الليل ، وينام ثلث الليل ، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها : إن لم تقدري على القيام فسبحي اللّه وهللي ، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة ، فاشتروها بملئ مسكها دنانير . وقال بعضهم : كان رجل يبيع الجوهر ، فجاءه إبليس يوما بجراب من لؤلؤ فعرض