يعذبونكم بأشد العذاب وأقبح العذاب . ويقال في اللغة : سامه الخسف ، إذا أولاه الهوان .
يعني يولونكم بأشد العذاب . ثم بيّن العذاب فقال تعالى :
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
الصغار
وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
، أي ويستخدمون نساءكم . وأصله في اللغة . من الحياة ، يقال :
استحيا ، يستحيي إذا تركه حيّا . وكانوا يذبحون الأولاد ، ويتركون النساء أحياء للخدمة ، وذلك لأن فرعون قالت له كهنته : يولد في بني إسرائيل مولود ينازعك في ملكك ، فأمر بأن يذبح كل مولود يولد في بني إسرائيل وتترك البنات .
قوله تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
، أي نعمة من ربكم عظيمة ، والبلاء :
يكون عبارة عن النعمة ، ويكون أيضا عبارة عن البلية والشدة ؛ وأصله من الابتلاء والاختيار يكون بهما جميعا . فإن أراد به النعمة ، فمعناه
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ
، أي اتجاه اللّه من ذبح الأولاد واستخدام النساء نعمة لكم من ربكم عظيم وإن أراد به العذاب ، فمعنى
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ
أن في ذبح الأبناء واستخدام النساء بلاء لكم من ربكم عظيم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 50 ]
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 )
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
، أي فرق الماء يمينا وشمالا حين خرج موسى مع بني إسرائيل من مصر ، فخرج فرعون وقومه في طلبهم ؛ فلما انتهوا إلى البحر ضرب موسى عصاه على البحر ، فانفلق ، فصار اثني عشر طريقا يبسا ، لكل سبط منهم طريق . فلما جاوز موسى البحر ودخل فيه فرعون مع قومه ، غشيهم من اليم ما غشيهم ، أي غشيهم الماء فغرقوا في اليم فذلك قوله تعالى :
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
.
يقول : وأذكرا نعمة اللّه عليكم إذ فلقنا بكم البحر
فَأَنْجَيْناكُمْ
من الغرق
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
، يعني فرعون وآله . قال بعض أهل اللغة : الآل ، أتباع الرجل قريبه كان أو غيره ، وأهله قريبه أتبعه أو لم يتبعه . ويقال : الآل والأهل بمعنى واحد ، إلا أن الآل يستعمل لأتباع رئيس من الرؤساء ؛ يقال : آل فرعون وآل موسى ، وآل هارون ولا يقال : آل زيد ، وآل عمرو .
وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قيل له : من آلك ؟ قال : « آلي كلّ تقيّ إلى يوم القيامة » .
قوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
، أي تنظرون إليهم حين لفظهم البحر بعد ما غرقوا ، يعني آباءهم . وقال بعضهم : معناه أنكم تعلمون ذلك كأنكم تنظرون إليهم . قال الفقيه : وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي ، فلما أخبرهم بذلك من غير أن يقرأ كتابا ، كان ذلك دليلا أنه قاله بالوحي ، وفيه أيضا تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك ، وفيه أيضا تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي .