لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
يعني : يتعظون ويتفكرون في توحيد اللّه تعالى . ويقال : معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن اللّه تعالى قد بيّن طريق الهدى ، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز .
ثم ذكر ما أعدّ اللّه للمؤمنين في الآخرة فقال :
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف والهرم وغير ذلك . ويقال :
لَهُمْ دارُ السَّلامِ
فاللّه السلام والجنة داره يعني : دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
أي اللّه تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا . ويقال : هو وليهم في الآخرة بالثواب
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
في الدنيا .
قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
يقول : واذكر يوم يجمعهم اللّه
جَمِيعاً
يعني : الجن والإنس . قرأ عاصم في رواية حفص
يَحْشُرُهُمْ
بالياء يعني : أن اللّه يحشرهم وقرأ الباقون نحشرهم بالنون
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ
يقول لهم يا معشر الجن
قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
يعني :
قد أضللتم كثيرا من الإنس
وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ
الذين أضلوهم
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
يعني : انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال : أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه ، فأمن ، ولبث في جوارهم حتى يصبح . وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا : لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفا في قومهم يعني : فيما بين الجن والإنس .
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
يعني : الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك :
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
يعني : خدع بعضنا بعضا عن دينك يعني : أن الجن قد خدعنا وأضلّنا
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
يعني : ما كتبت علينا من الشقاوة
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ
يعني : منزلكم وهم الجن والإنس
خالِدِينَ فِيها
مقيمين في النار
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
قال الكلبي : مشيئة اللّه من كل شيء ، ويقال : إلا ما شاء اللّه البرزخ والقيامة قد شاء اللّه لهم الخلود فيها . ويقال
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
يخرج منها من أهل التوحيد
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
ثم قال :
وَكَذلِكَ نُوَلِّي
يعني : نسلط
بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً
يعني : كفار الجن على كفار الإنس . ويقال : نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله . وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه . لأنه لو لم يمتنع يسلط اللّه عليه ظالما آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا . وقال ابن عباس : إذا رضي اللّه عن قوم ولّى أمرهم خيارهم . وإذا سخط اللّه على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون ، ثم تلا قوله
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً
.