فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش ، وقفوا في النهر ،
فَشَرِبُوا مِنْهُ
بغير غرفة
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر : « أنتم على عدد المرسلين وعدد قوم طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر » ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا . ويقال : قد ظهر على شفاههم علامة ، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب ، فردهم وأمسك المخلصين منهم .
فَلَمَّا جاوَزَهُ
، يعني جاوز النهر .
هُوَ
، يعني طالوت
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
ودنوا إلى عسكر جالوت ، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح .
قالُوا
، أي المؤمنون :
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
، لما رأوا من كثرتهم .
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم . ويقال : أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
، وهم أهل العلم منهم :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
، يعني كم من جند قليل ،
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
عدتهم
بِإِذْنِ اللَّهِ
، أي بنصر اللّه وأمره ، إذا خلصت نيتهم ، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة اللّه
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
بالنصرة على عدوهم أي معينهم .
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
، يقول : خرجوا واصطفوا لجالوت . دعوا اللّه تعالى ،
قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
، أي أصبب علينا صبرا ، معناه ارزقنا الصبر على القتال ،
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا
عند القتال
وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
.
قال وكان داود - عليه السلام - راعيا ، وكان له سبعة أخوة مع طالوت ؛ فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم - وكان اسمه إيشا - أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج ، مرّ على حجر فقال له الحجر : خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه ، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرّ بآخر فقال له : خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا ، ثم مرّ بثالث فقال له : خذني فأنا الذي أقتل جالوت ، فأخذه وجعله في مخلاته ؛ فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال : من يبارزني ؟ فلم يخرج إليه أحد . ثم قال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق ، لخرج إلي بعضكم . فقال داود لإخوته : أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف ؟
فقالوا له : اسكت . فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته ، فمر طالوت به وهو يحرض الناس ، فقال له داود : وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟ قال طالوت : أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي . قال داود : فأنا أخرج إليه . فأعطاه طالوت درعه وسيفه ، فلما خرج في الدرع جرها ، لأن طالوت كان أطول الناس ، فرجع داود إلى طالوت وقال : إني لم أتعود القتال في الدرع ، فرد الدرع إليه . فقال له طالوت : فهل جربت نفسك ؟ قال : نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين . فقال له طالوت : إن الذئب ضعيف ، فهل