تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
، لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو وليس لهم قود ولا دية ، فجعل اللّه تعالى القصاص والدية والعفو تخفيفا لهذه الأمة ، فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا . وقال بعض الناس : إن الولي إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل ، وهو قول الشافعي ، وقال أصحابنا : ليس له أن يأخذ الدية إلا برضا القاتل . وليس في هذه الآية دليل ، أن له أن يأخذ الدية بكره منه ، وفيها دليل أن له أن يقبل الدية وإذا رضي القاتل واصطلحا على ذلك . ثم قال تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ
، يعني أن يقتل بعد ما يأخذ الدية
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي وجع . وقال قتادة : يقتل ولا يتقبل منه الدية إذا اعتدى ، واحتج بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا أعفي عن أحد قتل بعد أخذ الدّية » . ولكن معناه عندنا : أنه إذا طلب الولي القتل ، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز عفوه ، لأنه قتل بغير حق فصار حكمه حكم القاتل الأول ، لأنه لو عفي عنه لجاز ذلك فكذلك الثاني . ثم قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
بقاء ، لأن الناس يعتبرون بالقصاص فيمتنعون عن القتل . وهذا كما قال القائل :
أبلغ أبا مالك عنّي مغلغلة * وفي العقاب حياة بين أقوام
وهذا معنى قوله :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
يا أُولِي الْأَلْبابِ
، يعني يا ذوي العقول .
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
القتل مخافة القصاص .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 180 إلى 182 ]

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 )
كُتِبَ عَلَيْكُمْ
، أي فرض عليكم
إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً
، أي مالا . الخير في القرآن على وجوه ، أحدها : المال كقوله تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
وقوله :
ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
[ البقرة : 215 ] ،
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ *
[ البقرة : 272 ] أي المال . والثاني : الإيمان كقوله تعالى :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً
[ الأنفال : 23 ] أي إيمانا ، وكقوله تعالى :
وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
[ هود : 31 ] . والثالث الخير : الفضل كقوله تعالى :
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ *
[ المؤمنون : 109 و 118 ] . والرابع : العافية كقوله :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ
[ الأنعام : 17 ]
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ
[ يونس : 107 ] . والخامس : الأجر كقوله :
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ
[ الحج : 36 ] أي أجر .