ثم ذكر في هذه الآية خمسة أشياء من الإيمان ، فمن لم يقر بواحدة منها فقد كفر .
أحدها : الإيمان باللّه تعالى أنه واحد لا شريك له والتصديق باليوم الآخر وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وأنه كائن ، وأن أهل الثواب يصلون إلى الثواب وأهل العقاب يصلون إلى العقاب والتصديق بالكتاب أنه منزل من اللّه تعالى القرآن وسائر الكتب : التوراة والإنجيل والزبور ، ويقر بالملائكة أنهم عبيده ويقر بالنبيين أنهم رسله وأنبياؤه فهذه الخمس من الإيمان فمن جحد واحدة منها فقد كفر . ثم ذكر الفضائل فقال تعالى :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
، يعني يعطي المال على شهوته وجوعه وهو شحيح يخشى الفقر ، ويأمل العيش . ويقال : على حبه الإعطاء بطيبة من نفسه ، يعطي
ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
، يعني الضيف النازل
وَالسَّائِلِينَ
الذين يسألون الناس
وَفِي الرِّقابِ
، يعني المكاتبين . وقد قيل : ( ابن السبيل ) هو المنقطع من ماله .
ثم ذكر الفرائض فقال تعالى :
وَأَقامَ الصَّلاةَ
المكتوبة ،
وَآتَى الزَّكاةَ
المفروضة .
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
فيما عاهدوا فيما بينهم وبين اللّه تعالى وفيما بينهم وبين الناس .
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ
. أي بالبأساء وهي شدة الفقر ؛ البأس قال القتبي : يعني الفقر وهو من البؤس والضراء المرض والزمانة .
وَحِينَ الْبَأْسِ
، يعني يصبرون عند الحرب . وقال القتبي : البأس : الشدة ومنه يقال : لا بأس عليك يعني لا شدة عليك ، فلهذا سمي الحرب البأس ، لأن فيه شدة . ثم قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
يعني صدقوا في إيمانهم ،
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
عن نقض العهد .
فإن قيل : أيش معنى قوله :
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
وموضعه موضع رفع ولم يقل : والصابرون ؟ قيل له : قد قال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط الكاتب حين كتبوا مصحف الإمام ؛ والدليل على ذلك ما روي عن عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - أنه نظر في المصحف وقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء :
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
[ النساء : 162 ] وفي سورة المائدة
وَالصَّابِئُونَ
. لكن الجواب عند أهل العلم أن يقال : إنما صار نصبا للمدح والكلام يصير نصبا للمدح أو للذم . ألا ترى إلى قول القائل :
نحن بني ضبّة أصحاب الجمل وإنما جعله نصبا للمدح . وروي عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن البر فنزلت هذه الآية :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
الآية . وقال الضحاك
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
يعني صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم بأعمالهم .
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
، يعني المطيعون للّه تعالى . ثم قال تعالى :