تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
ما وريح . وكان يركب البغلة وتحفّ به أصحابنا ، ويخرج بهم إلى الأماكن النّزهة ، ويباسطهم ويحضر المغاني ، وله في النّفوس صورة عظيمة لهيبته وعلمه ونفعه العامّ ، وتواضعه وخيره ولطفه وجوده . قرأت بخطّ الشيخ قطب الدّين قال [ ( 1 ) ] : انتفع به جمّ غفير ، ومعظم فقهاء دمشق وما حولها وقضاة الأطراف تلامذته . وكان رحمه اللَّه ، عنده من الكرم المفرط وحسن العشرة وكثرة الصّبر والاحتمال . وعدم الرغبة في التكثّر من الدّنيا ، والقناعة والإيثار ، والمبالغة في اللّطف ولين الكلمة والأدب ما لا مزيد عليه ، مع الدّين المتين ، وملازمة قيام اللّيل ، والورع ، وشرف النّفس ، وحسن الخلق والتّواضع ، والعقيدة الحسنة في الفقراء والصّلحاء وزيارتهم . وله تصانيف مفيدة تدلّ على محلّه من العلم وتبحّره فيه . وكانت له يد في النّظم والنّثر . قلت : تفقّه في صغره على الشيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام ، والشيخ تقيّ الدّين ابن الصّلاح . وبرع في المذهب وهو شابّ وجلس للاشتغال وله بضع وعشرون سنة . ودرّس في سنة ثمان وأربعين . وكتب في الفتاوى وقد كمّل ثلاثين سنة . ولمّا قدم النّوويّ من بلده أحضروه ليشتغل عليه ، فحمل همّه وبعث به إلى مدرسة الرواحية ، ليصبح له بها بيت ، ويرتفق بمعلومها . ولم يزل يشغل من ذلك الوقت إلى أن مات . وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار . وكان إذا سافر إلى بيت المقدس يتنافس أهل البرّ في التّرامي عليه ، وإقامة الضيافات له . وكان أكبر من النّواويّ ، رحمهما اللَّه ، بسبع سنين . وكان أفقه نفسا ، وأذكى قريحة ، وأقوى مناظرة من الشيخ محيي الدّين بكثير ، لكن كان محيي الدّين أنقل للمذهب ، وأكثر محفوظا منه . وهؤلاء الأئمّة اليوم هم خواصّ تلامذته ابنه ، وقاضي
هامش
[ ( 1 ) ] في ذيل مرآة الزمان ( مخطوط ) 2 / ورقة 307 .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 416 | الذهبي