تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
قال النّسويّ : ولمّا رحل من حافّة جيحون إلى نيسابور والناس يتسلّلون لم يقم بها إلّا ساعة رعبا تمكّن من صدره ، وذعرا داخل صميم قلبه ، فحكى لي الأمير تاج الدّين عمر البسطاميّ قال : وصل السّلطان بسطام ، فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق ، وقال : هذه كلّها جوهر ، وفي هذين الصندوقين جوهر يساوي خراج الدّنيا بأسرها ، فأمرني بحملها إلى قلعة أردهن [ ( 1 ) ] ، ففعلت ، وأخذت خطّ متولّيها بوصولها مختومة . فحاصر التتار القلعة إلى أن صالحهم متولّيها على تسليم الصناديق إليهم بختومها ، فحملت إلى جنكزخان . ووصل السّلطان إلى أعمال همذان في عشرين ألفا ، فلم ترعه إلّا صيحة العدو ، فقاتلهم بنفسه ، وشمل القتل جلّ أصحابه ، ونجا هو في نفر يسير إلى مازندران ثم إلى حافّة البحر ، فأقام بقرية هناك يحضر المسجد ، ويصلّي مع إمام القرية ، ويبكي ، وينذر النذور إن سلم ، إلى أن كبسه التتار بها ، فبادر إلى مركب ، فوقعت فيه سهامهم ، وخاض خلفه ناس ، فغرقوا . وحدّثني غير واحد ممّن كانوا مع السلطان في المركب ، قالوا : كنّا نسوق المركب ، وبالسلطان من علّة ذات الجنب ما آيسة من الحياة ، وهو يظهر الاكتئاب ضجرا ، ويقول : لم يبق لنا من ملكنا قدر ذراعين ، تحفر ، فنقبر ، فما الدّنيا لساكنها بدار . فلمّا وصل إلى الجزيرة سرّ بذلك ، وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد . وكان في أهل مازندران ناس يتقرّبون إليه بالمأكول والمشروب وما يشتهيه ، فقال في بعض الأيام : أشتهي أن يكون عندي فرس ترعى حول خيمتي . فلمّا سمع الملك حسن أهدى له فرسا . ومن قبل كان اختيار الدّين أمير آخر السّلطان مقدّما على ثلاثين ألف فارس يقول : لو شئت لجعلت أصحابي ستّين ألفا من غير كلفة ، وذلك أنني أستدعي من كلّ جشار [ ( 2 ) ] للسلطان في البلاد جوبانا [ ( 3 ) ] فينيفون على ثلاثين ألفا . فتأمّل يا هذا بعد ما بين الحالتين !
هامش
[ ( 1 ) ] من أعمال الري ( معجم البلدان ) . [ ( 2 ) ] جشار : من الجشر ، وجمعه : جشارات ، ويقال : جشير أيضا . وتدلّ على الخيل والبقر التي تلازم المرعى ولا ترجع إلى الحظيرة بالليل . ويقال : « دشار » تسهيلا للنطق . ( تكملة المعاجم العربية ) لرينهارت دوزي - تعريب الدكتور محمد سليم النعيمي - طبعة وزارة الثقافة والأعلام ، بغداد 1980 - ج 2 / 215 ) . ويقال - عندنا - بالعاميّة - : « داشر » ومنه المثل الشعبي : « المال الداشر يعلّم الناس السرقة » . [ ( 3 ) ] الجوبان : الراعي ، بالتركية .