قلت : وكان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر ، شجاعا ، صاحب سلاح [ ( 1 ) ] ظاهر وباطن ، مقبلا على شأنه ، مجدّا لا يفتر ، حاضر القلب ، دائم الذّكر ، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم . وكان من حين اشتدّ يخرج وينطرح في شعراء [ ( 2 ) ] يونين ، فإذا رآه السّفّارة حملوه إلى أمّه ، وكانت امرأة صالحة . فلمّا انتشى كان يتعبّد بجبل لبنان . وكان كثير الغزو أيام السلطان صلاح الدّين .
وقد جمع مناقبه خطيب زملكا أبو محمد عبد اللَّه ابن العزّ عمر المقدسيّ ، فقال : حدّثني الشيخ إسرائيل ، عن الشيخ عليّ القصّار ، قال : كنت إذا رأيت الشيخ عبد اللَّه أهابه ، كأنّه أسد ، فإذا دنوت منه وددت أنّي أشقّ قلبي وأجعله فيه .
قال ابن العزّ : وحدّثني الزّاهد خليل بن عبد الغنيّ بن مقلّد ، قال : كنت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشيخ عبد اللَّه ، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلّاسة ، ليتوضّأ ، وإذا برجل متختّل يفرّق ذهبا ، فلمّا وصل إليّ أعطاني خمسة دنانير ، وقال : أين سيّدي الشيخ ؟ قلت : يتوضّأ . فجعل تحت سجّادته ذهبا ، وقال : إذا جاء قل له : مملوكك أبو بكر التّكريتيّ يسلّم عليك ، ويشتهي تدعو له . فجاء الشّيخ وأنا ألعب بالذّهب في عبّي ، ثمّ ذكرت له قول الرجل ، فقال توبة : من ذا يا سيدي ؟ قال : صاحب دمشق ، وإذا به قد رجع ، ووقف قدّام الشيخ ، والشيخ يصلّي ، فلمّا سلّم أخذ السّواك ودفع به الذّهب ، وقال : يا أبا بكر ، كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق ؟ وتغزل امرأة وقيّة تبيعها فيؤخذ منها قرطيس ؟ فلمّا راح أبطل ذلك ، وكان الملك العادل .
قال ابن العزّ : وأخبرني المعمّر محمد بن أبي الفضل ، قال : كنت عند الشيخ وقد جاء إليه المعظّم ، فلمّا جلس عنده ، قال : يا سيّدي ادع لي . قال يا عيسى لا تكن نحس [ ( 3 ) ] مثل أبيك . فقال : يا سيّدي وأبي كان نحس . قال : نعم ،
هامش
[ ( 1 ) ] هكذا بخط المؤلف - بالسين - ولعله أراد القول « صلاح » بالصاد فسبقه قلمه .
[ ( 2 ) ] الشعراء - بوزن الصحراء - : الشجرة الكثير .
[ ( 3 ) ] هكذا بخط المؤلف ، وهي من كلام الشيخ ، والصواب : نحسا .