تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
ويصفّق إلى أن تعب . ثمّ جلس وهو يقول : ما أصنع ببهائم [ ( 1 ) ] لا يفرّقون بين الدّرّ والبعر ! فاعتذرت إليه ، وأنشدني شيئا آخر . وسألته عن أبي العلاء المعرّيّ ، فنهرني ، وقال : ويلك كم تسيء الأدب بين يديّ ، ومن ذلك الكلب الأعمى حتّى يذكر في مجلسي ! قلت : فما أراك ترضى عن أحد [ ( 2 ) ] . قال : كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني ! قلت : فما فيهم من له ما يرضيك ؟ قال : لا أعلم إلّا أن يكون المتنبّي في مديحه خاصّة ، وابن نباتة في خطبه ، وابن الحريريّ في مقاماته . قلت : عجب إذ لم تصنّف مقامات تدحض مقاماته ! قال : يا بنيّ ، اعلم أنّ الرجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل ، عملت مقامات مرّتين فلم ترضني ، فغسلتها ، وما أعلم أنّ اللَّه خلقني إلّا لأظهر فضل ابن الحريريّ . ثمّ شطح [ ( 3 ) ] في الكلام وقال : ليس في الوجود إلّا خالقان [ ( 4 ) ] : واحد في السّماء ، وواحد في الأرض ، فالّذي في السّماء هو اللَّه تعالى ، والّذي في الأرض أنا . ثمّ التفت إليّ وقال : هذا لا يحتمله العامّة لكونهم لا يفهمونه ، أنا لا أقدر على خلق شيء إلّا خلق الكلام . فقلت : يا مولانا أنا محدّث ، وإن لم يكن في المحدّث جراءة مات بغيظة [ ( 5 ) ] ، وأحبّ أن أسألك عن شيء . فتبسّم وقال : ما أراك تسأل إلّا عن معضلة ، هات . قلت : لم سمّيت بشميم ؟ فشتمني وضحك ، وقال : اعلم أنّني بقيت مدّة لا آكل إلّا الطّين ، قصدا لتنشيق الرطوبة وحدّة الحفظ ، فكنت أبقى مدّة لا أتغوّط ثمّ يجيء كالبندقة من الطّين ، فكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إليه : شمّه فإنّه لا رائحة له ، فلقّبت بذلك ، أرضيت يا ابن الفاعلة ! توفّي شميم بالموصل في ربيع الآخر [ ( 6 ) ] عن سنّ عالية .
هامش
[ ( 1 ) ] في المعجم : « ما أصنع وقد ابتليت ببهائم » . [ ( 2 ) ] في ( معجم الأدباء 13 / 57 ) : « عن أحد ممن تقدم » . [ ( 3 ) ] في معجم الأدباء 13 / 68 « سطح » . [ ( 4 ) ] في الأصل « خالقين » . والصواب ما أثبتناه . [ ( 5 ) ] في معجم الأدباء 13 / 59 « مات بغصّته » . [ ( 6 ) ] قال ابن النجار : « سمعت محمد بن عبد اللَّه ابن المغرب بدمشق يقول : مات علي بن
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 63 | الذهبي