تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وذكر القاضي شمس الدّين ابن خلّكان [ ( 1 ) ] ، قال : كان الأدفونش بن فرذلند ملك الفرنج بالأندلس قد قوي أمره ، وكانت ملوك الطّوائف من المسلمين بجزيرة الأندلس يصالحونه ، ويؤدّون إليه ضريبة ، ثمّ إنّه أخذ طليطلة في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعد حصار شديد ، وكانت للقادر باللَّه بن ذي النّون . وكان المعتمد مع كونه أكبر ملوك الجزيرة يؤدّي الضّريبة للأدفونش ، فلمّا ملك الكلب طليطلة قويت نفسه ، ولم يقبل ضريبة المعتمد ، وأرسل إليه يتهدّده ويقول : تنزل عن الحصون الّتي بيدك ، ويكون لك السّهل . فضرب المعتمد الرسول ، وقتل من كان معه . فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجّه لحصار قرطبة ، فرجع إلى طليطلة لأخذ آلات الحصار ، فأتى المشايخ والعلماء إلى أبي عبد اللَّه محمد بن أدهم ، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين ، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشفين صاحب مرّاكش ، يستنجدونه ليعدّي بجيوشه إلى الأندلس ، وينجد الإسلام . واجتمع القاضي بالمعتمد على اللَّه ، وأعلمه بما جرى فقال : مصلحة [ ( 2 ) ] .
هامش
[ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 5 / 27 . [ ( 2 ) ] قال الحميري : إن الأدفونش نزل قبالة قصر ابن عبّاد ، وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عبّاد زاريا عليه : كثر بطول مقامي في مجلسي الذبّان ، واشتدّ عليّ الحرّ ، فأتحفني من قصرك بمروحة أروّح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عني ، فوقّع له ابن عبّاد بخط يده في ظهر الرقعة : قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك ، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية تريح منك لا تروّح عليك إن شاء اللَّه . فلما ترجم لابن فرذلند توقيع ابن عبّاد في الجواب أطرق إطراق من لم يخطر به ذلك ، وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عبّاد وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند ، فاستبشر الناس ، وفتحت لهم أبواب الآمال . وانفرد ابن عبّاد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين ، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك ، فمنهم من كتب إليه ومنهم من شافهه ، كلهم يحذّره سوء عاقبة ذلك ، وقالوا له : الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمد ، فأجابهم ابن عبّاد بكلمته السائرة مثلا : رعي الجمال خير من رعي الخنازير ، أي أن كونه مأكولا لابن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزّقا لابن فرذلند أسيرا يرعى خنازيره في قشتالة ، وكان مشهورا بوثاقة الاعتقاد . وقال لعذّاله ولوّامه : يا قوم أنا من أمري على حالين : حالة يقين وحالة شك ، ولا بدّ لي من إحداهما ، أما حالة الشك فإنّي إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفي لي ويفي عليّ ويمكن ألّا يفعل ، فهذه حالة شك ، وأما حالة اليقين فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي اللَّه ، وإن استندت إلى ابن فرذلند
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 266 | الذهبي