إلّا من أسلم . وبلغت الأخبار إلى الفقيه بما فعل عبد اللَّه بن ياسين فعظم ذلك عليه وندم ، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسّبي ، فأجابه : أمّا إنكارك عليّ ما فعلت وندامتك على إرسالي ، فإنّك أرسلتني إلى أمّة كانوا جاهلية يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السّوام ، فتأتي البنت حاملا من أخيها ، فلا ينكرون ذلك ، وما دأبهم إلّا إغارة بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضا . ففعلت وفعلت وما تجاوزت حكم اللَّه ، والسلام .
وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم ، فأمر عبد اللَّه بن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السّوس ، وأخذ الزّكاة ، فخرج منهم نحو سبعمائة [ ( 1 ) ] رجل ، فقدموا سجلماسة ، وسألوا أهلها الزّكاة ، وقالوا : نحن قوم مرابطون خرجنا إليكم نطلب حقّ اللَّه من أموالكم . فجمعوا لهم مالا ورجعوا به .
ثمّ إنّ الصّحراء ضاقت بهم ، وأرادوا إظهار كلمة الحقّ ، وأن يسيروا إلى الأندلس للجهاد ، فخرجوا إلى السّوس الأقصى ، فاجتمع لهم أهل السّوس وقاتلوهم وهزموهم ، وقتل عبد اللَّه بن ياسين .
وهرب أبو بكر بن عمر إلى الصّحراء ، فجمع جيشا وطلب بلاد السّوس في ألفي راكب ، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السّوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس ، فأرسل إليهم رسلا وقال : افتحوا لنا الطّريق فما قصدنا إلّا غزو المشركين . فأبوا عليه واستعدّوا للحرب ، فنزل أبو بكر وصلّى الظّهر على درقته وقال : اللَّهمّ إن كنّا على الحقّ فانصرنا عليهم ، وإن كنّا على باطل فأرحنا بالموت .
ثمّ ركب والتقوا فهزمهم ، واستباح أبو بكر أسلابهم وأموالهم وعددهم ، وقويت نفسه . ثمّ تمادى إلى سجلماسة فنزل عليها ، وطلب من أهلها الزّكاة ، فقالوا لهم : إنّما أتيتمونا في عدد قليل فوسعكم ذلك ، وضعفاؤنا كثير ، وما هذه حال من يطلب الزّكاة بالسّلاح والخيل ، وإنّما أنتم محتالون . ولو أعطيناكم أموالنا ما عمّتكم .
هامش
[ ( 1 ) ] في الكامل 9 / 621 : « تسعمائة » .