يتلوّن كلّ ساعة من كلّ لون . ووقف السّلطان محمود على شرّ ما كان يدعو إليه ، وعلى بطلان ما حثّه عليه أمر بقتله وأهدى بغله إلى القاضي أبي منصور محمد ابن محمد الأزديّ الشّافعيّ شيخ هراة . وقال السّلطان : كان هذا البغل يركبه رأس الملحدين ، فليركبه رأس الموحّدين [ ( 1 ) ] .
ولولا ما في السّلطان محمود من البدعة لعدّ من ملوك العدل [ ( 2 ) ] .
وذكر إمام الحرمين الجوينيّ [ ( 3 ) ] أنّ السلطان محمود كان حنفيّ المذهب مولعا بعلم الحديث ، يسمع من الشيوخ ويستفسر الأحاديث ، فوجدها [ ( 4 ) ] أكثرها موافقا لمذهب الشّافعيّ ، فوقع في نفسه . فجمع الفقهاء في مرو ، وطلب منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين . فوقع الاتّفاق على أن يصلّوا بين يديه على مذهب الإمامين ليختار هو . فصلّى أبو بكر القفّال بطهارة مسبغة ، وشرائط معتبرة من السّترة والقبلة ، والإتيان بالأركان والفرائض صلاة لا يجوّز الشّافعيّ دونها . ثمّ صلّى صلاة على ما يجوّز أبو حنيفة رضي اللَّه عنه ، فلبس بدلة كلب مدبوغا قد لطّخ ربعه بالنّجاسة ، وتوضّأ بنبيذ التّمر ، وكان في الحرّ ، فوقع عليه البعوض والذّباب ، وتوضّأ منكّسا ، ثمّ أحرم ، وكبّر بالفارسيّة : « دو برگ سبز » [ ( 5 ) ] ثمّ نقر نقرتين كنقرات الدّيك من غير فصل ولا ركوع ولا تشهّد ، ثمّ ضرط في آخره من غير نيّة السّلام ، وقال : هذه صلاة أبي حنفية .
فقال : إن لم تكن هذه الصّلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك .
قال : فأنكرت الحنفيّة أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفّال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السّلطان بإحضار نصرانيّ كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ،
هامش
[ ( 1 ) ] انظر : طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5 / 319 ، 320 .
[ ( 2 ) ] جاء في هامش الأصل : « ث . قد عدّه الكافّة من ملوك العدل ولم يبدّعوه » .
[ ( 3 ) ] هو : عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني ، إمام وقته ، وشيخ الإمام الغزالي ، وغيره .
المتوفى سنة 478 ه .
و « الجوينيّ » : بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها . هذه النسبة إلى جوين وهي إلى ناحية كثيرة مشتملة على قرى مجتمعة يقال لها : كوبان ، فعرّب وجعل جوين ، وهذه الناحية متصلة بحدود بيهق ، ولها قرى كثيرة متّصلة بعضها ببعض . ( الأنساب 3 / 385 ) .
[ ( 4 ) ] في : وفيات الأعيان 5 / 180 « فوجد » .
[ ( 5 ) ] قال ابن خلّكان : « وتفسير دو برگ سبز : ورقتان خضراوان ، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمنمُدْهامَّتانِ. ( وفيات الأعيان 5 / 182 ) .