الذكر لا يحصل إلا أولا للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام ثم الأولياء كل على حسب قربه له تعالى ، وأما المنغمرون في الدنيا فليس لهم هذا التمكن كما لا يخفى . إذا علمت ما ذكرناه من الذكر وأقسامه وحقيقته وآثاره وأنه أهم الأمور للعبد ، فاعلم أن قوله عليه السّلام : " ذكركم في الذاكرين ، "
قد يقال : إن معناه أنه إن ذكرتم مع ذكر غيركم ، فذكركم ممتاز له حلاوة وطراوة وأثر في تنوير القلب كما يومئ إليه قوله عليه السّلام " فما أحلى أسماءكم " .
وكيف كان ، فذكركم له سموّ وعلوّ ورفعة وقدر ومنزلة بحيث لا نسبة بينها وبين غيرها من الأسماء .
هذا إذا كان الذكر مصدرا مضافا إلى مفعوله أي مذكوريتكم في المذكورين في لسان الذاكرين له مزيّة .
وأما إن كان مضافا إلى فاعله أي ذكركم له تعالى فيما بين ذكر الناس للَّه تعالى له مرتبة وشرافة ، كيف وأنتم في منتهى مقام القرب والمعرفة به تعالى ، فكيف يقدر أحد أن يذكره كما أنتم تذكرونه فلا محالة لذكركم مزيّة ؟ أو المراد من قوله : " في الذاكرين "
الظرفية أي أن ذكركم موجود في ذكر الذاكرين ، أو أنتم - بلحاظ كونكم ذاكرين - موجودون في الذاكرين .
أما الأول : فلأن حقيقة الذكر ذكركم لمكان معرفتكم ، فلا محالة لا يذكره أحد بفضيلة إلا وهو داخل في ذكركم ، لعلوّ ذكركم وشموله ، فكأنه كالكلي وغيره كجزئياته .
وأما الثاني : فلأنكم سادات الذاكرين وأشرفهم ، فلا محالة يكون الذاكرون بذكرهم فيما دون ذاكريتكم ، فكأنّهم رشحة منكم ، وقطرة من بحاركم ، فذاكريّتهم داخلة في ذاكريّتكم دخول الأدنى في الأشرف .
ثم إن الوجه في كون ذكرهم ممتازا بالمزية العالية ما تقدم من أن الذكر الحقيقي الذي هو الفناء في المذكور ، وحضور المذكور عند النفس بنحو تقدم إنما يتحقق
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 351
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣٥١