تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
للنهي عن الإقلال والإكثار ، ألا تراه يقول : فمن حفظها ووعاها فليحدث بها ، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وينهاهم عنه ؟ هذا لا يستقيم بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأمرهم بالإقلال منه ؟ وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله : « من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي بها راحلته » ، ثم قال : « ومن خشي أن لا يعيها فلا يكذب عليّ » وهذا يوضح لك ما ذكرنا ، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا ، وإنما يدور على بيان عن الشعبي ، وليس مثله حجة في هذا الباب لأنه ؛ يعارض السنن والكتاب ، قال اللّه عز وجل :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
وقال :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
وقال في النبي صلى اللّه عليه وسلم :
النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ * وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وقال : « وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط اللّه » . ومثل هذا في القرآن كثير ، ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه ، فكيف يتوهم أحد على عمر - رضي اللّه عنه - أنه يأمر بخلاف ما أمر اللّه به ؟ . 1062 - وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نضر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها . . . » الحديث « 1 » ، وقد ذكرناه من طرق في صدر هذا الكتاب ، وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه صلى اللّه عليه وسلم . 1063 - وقال : « خذوا عني » في غير ما حديث « 2 » . 1064 - « وبلغوا عني » « 3 » . والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى والاعتبار ، ولا يخلو الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أن يكون خيرا أو شرا ، فإن كان خيرا - ولا شك فيه أنه خير - فالإكثار من الخير أفضل ، وإن كان شرا فلا يجوز أن يتوهم أن عمر - رضي اللّه عنه - يوصيهم بالإقلال من الشر ، وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن ؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير منتبر ولا متفقه .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) مرّ تخريجه .