السماوات وساكني عوالم الأنوار ؛ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * [ 1 ] .
وسلامٌ متواصلٌ وتحيّةٌ متواترةٌ على رفيعي المنزلة ؛ من الأنبياء والحجج الإلهيّة ، الذين تحمّلوا جميع أعباء الرسالة بعزم متين وقدم راسخة لإعلاء كلمة التوحيد ، ولم يفتروا أو يقصّروا لحظةً في سبيل الوصول إلى هدفهم ، ولم يتنازلوا قيد أنملة عن منهجهم الصحيح وطريقهم القويم أمام الضغوط والمصاعب ، واعتبروا أنّ الثمرة الوحيدة للرسالة وأجر تبليغها هو رقيُّ الأمّة ورشدها قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [ 2 ] .
خصوصاً على ثمرة عالم الوجود وجوهره ، المظهر الأتمّ للصفات الإلهيّة والأسماء الحسنى ، ومَجلى الأنوار الباهرة لحضرة المعبود ، ومظهر نشأَتَي الغيب والشهود ؛ أبو الأكوان بفاعليّته وأمّ الإمكان بقابليّته ( 3 ) ؛ محمّد ابن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، الذي نشأته الناسوتيّة فيضان الرحمة والمغفرة للعالي والداني ، ونفحات أنفاسه الملكوتيّة منبع الحياة الطيّبة للعارفين والسالكين وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ 4 ] ، وجميع الأنبياء هالة لنور إنعامه ، وقوت الأولياء من فتات موائد كرمه ، وحقيقة مراتب الوجود قائمة بتدلِّيه وتعلُّقه ؛ لولاك لما خلقت الأفلاك [ 5 ] ، وكمال التعيّنات
هامش
( 3 ) أي : أنّه أب لعوالم الوجود من جهة فاعليّته ، وأمٌّ لجميع المخلوقات من جهة القبول والاستعداد ؛ وذلك لأنّه بسبب تحقّق هاتين الحيثيّتين المختلفتين ؛ الأولى حيثيّة نزول حقيقة الوجود بالإضافة الإشراقيّة . والثانية تشكّل تلك الحقيقة في قوالب وظروف متفاوتة وتعيّنها بتعيّنات مختلفة ، ترتسم كيفيّة بدء الخلق وختمه . حيث يعبّر عن الحيثيّة الأولى بالحيثيّة الفاعليّة ويعبّر عن الثانية بالحيثيّة القابليّة ، وكلتا هاتين الحيثيّتين من وجوده المبارك متحقّقتان في نفسه الشريفة .
[ 1 ] سورة التين ، الآيات 46 .
[ 2 ] سورة الفرقان ، الآية 57 .
[ 4 ] سورة الأنبياء ، الآية 107 .
[ 5 ] مناقب آل أبي طالب ، ابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 217 .