فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة ، لا يدرك مخلوق شيئا إلا باللَّه ، واللَّه خلو من خلقه وخلقه خلو منه " ، الحديث .
وهذا الحديث الذي هو من غرر أحاديثهم عليهم السّلام كالحديث السابق يشير إلى ما ذكرناه ، ونشير إلى بعض ما يدل على ما ذكرنا قوله عليه السّلام : وإنما هو واحد موحد
أي واحد محض لا كثرة فيه أي هو تعالى وجود محض لا مهيّة له ، فلا يدخل في الذهن ، فليس بنحو يوجد تارة في الخارج وأخرى في الذهن ، كساير الموجودات .
وحيث إنه تعالى وجود محض فلا يستلزم معرفة شيء لمعرفته تعالى ، ضرورة أن معرفة شيء آخر هو العلم به وتصوره في الذهن ، ولا يمكن أن يكون المتصور الذهني معرفا لما هو وجود محض إذ لا تعلق للاعتبار به تعالى ، فهما من هذه الحيثية متباينان فلا يمكن معرفة المباين بالمباين الأعلى فرض الاتحاد وهو خلف كما لا يخفى .
هذا مضافا إلى أن العلم بشيء إذا كان موجبا للعلم بشيء آخر لزم أن يكون كل منها لهما جهة اختلاف وجهة اتحاد فيلزم من هذا التركب فيهما .
وحيث إنه تعالى لا تركب فيه فيمتنع أن يعرف بغيره بهذا الوجه .
ولعل إليه يشير قوله عليه السّلام : " ليس بين الخالق والمخلوق شيء ، فلو عرفته بالعلم التصوري ، فقد جعلت بينك وبينه شيء ، وهذا بخلاف ما لو عرفته به تعالى " .
وإليه يشير أيضا قوله عليه السّلام : " إنما عرف اللَّه من عرفه باللَّه "
وعليه يتفرّع قوله عليه السّلام : " فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة أي بما لا يعرفه بنفسه " .
والسر الأصلي والبرهان الجلي على أنه تعالى لا يعرف إلا به ، هو قوله عليه السّلام : " لا يدرك مخلوق شيئا إلا باللَّه أي أن كل شيء معروف باللَّه الذي هو نور السماوات والأرض ، فكيف يعرف بغيره ، لأنه تعالى مقوم كل ذات غير متقوم بالذات ، فكل ما سواه تعالى متقوم به وغير متقوم بالذات " .
ومن المعلوم أن العلم بغير المستقل وغير المتقوم ذاتا بعد العلم بالمستقل الذي
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 75
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٧٥