الطريق الثاني : أعني السير الأنفسي وهو منتج معرفة حقيقية شهودية ، بيانه إجمالا : أن يوجّه الإنسان وجهه للحق سبحانه ، وينقطع عن كل صارف شاغل عن نفسه إلى نفسه حتى يشاهد نفسه كما هي ، أي يشاهدها محتاجة بذاتها إلى الحق سبحانه ، وما هذا شأنه لا تنفك مشاهدته عن مشاهدة مقوّمه .
نعم في حال انقطاعه عن نفسه وحدودها فإذا شاهد الحق حينئذ سبحانه عرفه معرفة ضرورية بأنه المقوم والقائم بنفسه وقيّوم كل شيء ، ثم عرف نفسه به حقيقة لكونها محتاجة محضة قائمة الذات به سبحانه ، ثم يعرف كل شيء به تعالى هكذا .
وإلى هذا يشير قوله عليه السّلام فيما تقدم تعرفه وتعلم علمه ، وتعرف نفسك به ، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف . . إلخ "
فهذه معرفة شهودية بدون دخالة الصفات بل معرفة له تعالى به تعالى ، كما لا يخفى .
وقوله عليه السّلام : " وتعلم علمه "
بفتح العين واللام بمعني العلامة أو خصوص الاسم ، أي تعرفه ثم تعلم علائمه وأوصافه به تعالى فهو مصداق لقوله عليه السّلام قبلا : " إن معرفة عين الشاهد قبل صفته " .
ثم قال : " وتعلم نفسك به تعالى لا بغيره "
وكونه بكسر العين وسكون اللام تكليف محض كما لا يخفى .
وبالجملة فإذا شاهد ربّه هكذا عرفه وعرف نفسه وكل شيء به تعالى .
وإلى ذلك أيضا يشير ما في توحيد الصدوق مسندا عن عبد الأعلى ، عن الصادق عليه السّلام في حديث : " ومن زعم أنه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ، لأن الحجاب والصورة والمثال غيره ، وإنما هو واحد موحد فكيف يوحّد من زعم أنه عرفه بغيره ، إنما عرف اللَّه من عرفه باللَّه ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره ، ليس بين الخالق والمخلوق شيء واللَّه خالق الأشياء لا من شيء يسمى بأسمائه فهو غير أسمائه ، والأسماء غيره ، والموصوف غير الوصف .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 74
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٧٤