له .
وإليه يشير قوله عليه السّلام في دعاء الندبة من قوله : . . الذين استخلصتهم لنفسك ودينك ، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها ، فشرطوا لك ذلك ، وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقربتهم ، وقدمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي . . " الدعاء .
فقوله : " فقبلتهم وقربتهم ، "
إشارة إلى ما ذكرنا من أنه تعالى أعطاهم أجرهم في أول يوم الوجود ، لما علم منهم الوفاء ، فهم الواجدون لتلك المقامات لطفا منه تعالى بلا طلب ولا اكتساب .
نعم : إنما منحهم لما علم منهم الوفاء ، وهم عبدوه شكرا لهذه العطايا الجزيلة والمواهب الجليلة .
فتحصل من الجميع أن لهم مقاما شامخا ، أي مقام الولاية المطلقة الكبرى ، فهذه المنزلة إنما هي منحة منه تعالى لهم بلا طلب ولا اكتساب ، وإنما هم يعبدونه حقّ العبادة شكرا وحبّا له لا لتحصيل تلك المقامات .
ثم إنّ أيّ عمل يوجب بنفسه استحقاق تلك المقامات العالية الثابتة لهم ؟ ولعلّ هذا هو السرّ في كون عبادتهم شكرا له ، أي لا يمكن أن تكون عبادتنا سببا لتلك الألطاف ، وإنما نحن نشكره لتلك الألطاف .
فإن قلت : علمه تعالى بأنهم عاملون بالوظائف صار سببا للطفه لهم ، فالسبب هو عملهم ، غاية الأمر لما علم تعالى أنهم يعملون حباهم قبل العمل ، وأما بالنسبة إلينا فحيث لم يعلم الوفاء منا فالعطية تابعة منه تعالى للعمل وإلا فلا .
قلت : نعم ، إلا أنهم منحهم اللَّه تعالى ما لم يمنح به أحدا ، وتلك المنح والمقامات سابقة على العمل قد أعطاها لهم في ابتداء الوجود .
وقد علمت أنها منح لا يمكن كونها مسببا عن عمل ، ولا يمكن ولا يكون عمل
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 160
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٦٠