في مقام الأمن المشار إليه بقوله تعالى وهم من فزع يومئذ آمنون 27 : 89 .
وأما المحب الذي يعبد اللَّه حبّا له فهو محبوب له تعالى لمتابعته للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله بسبب الحبّ له تعالى ، فصار هذا الحبّ والمتابعة سببا لكونه محبوبا له تعالى ، فالذي هو محب له تعالى ومحبوب له لا يعمل إلا بمقتضى المحبة ولا يحوم إلا حول ربّه .
فهذه العناوين الثلاثة أي العباد بما هم من الكرماء الآمنين والأحرار والمحبين ، الذين قد صفاهم اللَّه من كدر كما دلَّت عليه الأحاديث الكثيرة .
فعبادتهم إنما هي بعد ما منحهم اللَّه تعالى من الكرامة والأمن والحبّ ، فهم قبل العمل قد حباهم اللَّه تعالى بتلك الكرامات ، فعبادتهم ليست لتحصيل شيء من المقام ، بل قد أعطاهم اللَّه من فضله أحسن المقام وإنما يعبدونه حبّا له .
وإليه يشير ما عن النهج ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام كما تقدم من قوله : " وإن قوما عبدوا اللَّه شكرا فتلك عبادة الأحرار " .
إذ من المعلوم أن العبادة بما هي مأتي بها شكرا إنما هو بعد العطية إذ الشكر وما هو مصداقه يكون بعد العطاء كما لا يخفى .
فحيث إنه تعالى حباهم بتلك المقامات التي أشار إليها الرضا عليه السّلام بلا طلب ولا اكتساب ، فهم عليهم السّلام عملوا بأحسن العمل وعبدوه حقّ العبادة ، كلّ ذلك شكرا له لما منحهم اللَّه تعالى في ابتداء الخلقة .
وقد أشار إلى عبادتهم بقوله تعالى : عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون 21 : 26 - 27 وكذا ساير الآيات بمثلها ، كما لا يخفى .
والحاصل : أنهم عليهم السّلام وكما علمت خلقهم تعالى قبل الخلق كلهم أجمعين ، وحمّلهم علمه ، وأعطاهم تلك المقامات الشريفة ، وجعلهم وسائط بينه وبين الخلق ، وبعثهم إلى الثقلين بعد ما أكملهم بتلك الكمالات .
وحيث علم منهم الوفاء قبلهم ، وقدّمهم وأعطاهم أجر عملهم قبل عملهم لما علم منهم الوفاء بالعمل ، فهم عليهم السّلام يعملون بعد ما منحهم اللَّه تعالى ما منحهم شكرا
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 159
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٥٩