تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
يستحق الملك فيؤتيه
مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ
كثير العطاء ، يؤتي المال كما يؤتي الملك
عَلِيمٌ
بمن له الاستحقاق وما يحتاج إليه من المال الذي يعتضد به ، فيعطيه . ثم بيّن أن استحقاق الملك له علامة أخرى وهي : إذعان الخلق له ، ووقوع هيبته ووقاره في القلوب ، وسكون قلوبهم إليه ، ومحبتهم له ، وقبولهم لأمره على الطاعة والانقياد . وهو الذي كان يسميه الأعاجم من قدماء الفرس « خوره » . وما يختص بالملوك كيان خوره ، ثم من بعدهم سموه « فر » فقالوا : كان فر للملك في أفريدون ، وذهب عن كيكاؤوس فر الملك ، فطلبوا من له الفر ، فوجدوا للملك المبارك كيخسرو وسمّاه « التابوت » أي : ما يرجع إليه من الأمور . لأنّ التابوت فعلوت من التوب ، أي : يأتيكم من جهته ما يرجع في ثبوت ملكه من الإذعان والطاعة والانقياد والمحبة له بإلقاء اللّه له ذلك في قلوبكم ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالرعب مسيرة شهر » . أو ما يرجع إليه من الحالة النفسانية ، والهيئة الشاهدة له على صحة ملكه
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : ما تسكن قلوبكم إليه
وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ
في أولادهم من المعنى المسمّى « فر » وهو نور ملكوتيّ تستضيء به النفس باتصالها بالملكوت السماوية ، واستفاضتها ذلك من عالم القدرة مستلزم لحصول علم السياسة وتدبير الملك والحكمة المزيّنة لها
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
أي : ينزل إليكم بتوسط الملائكة السماوية . ويمكن أنه كان صندوقا فيه طلسم من باب نصرة الجيش وغيره من الطلسمات التي تذكر أنها للملك على ما يرى من أنه كان فيه صورة لها رأس كرأس الآدمي والهرّ ، وذنب كذنبه كالذي كان في عهد أفريدون المسمى « درفش كاويان » .
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
هو منهل الطبيعة الجسمانية
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي
أي : من كرع فيه مفرطا في الريّ منه . لأنّ أهل الطبيعة وعبدة الشهوات أذلّ وأعجز خلق اللّه ، لا قوّة لهم بقتال جالوت النفس الأمّارة ، ولا بجالوت عدّو الدين ، إذ لا حمية لهم ولا تشدّد
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
أي : إلا من اقتنع منه بقدر الضرورة والاحتياج من غير حرص وانهماك فيه
فَشَرِبُوا مِنْهُ
أي : كرعوا فيه وانهمكوا
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
إذ المتنزهون عن الأقذار الطبيعية ، المتقدّسون عن ملابسها ، المتجرّدون عن غواشيها قليلون بالنسبة إلى من عداهم . قال اللّه تعالى :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
« 1 » ،
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
« 2 » وهم الذين آمنوا معه من أهل اليقين الذين كانوا يعلمون بنور يقينهم أن الغلبة ليست بالكثرة ، بل بالنصرة الإلهية ، فصبروا على ما عاينوا بقوّة يقينهم ، فظفروا .
هامش
( 1 ) سورة ص ، الآية : 24 . ( 2 ) سورة سبأ ، الآية : 13 .