تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
غيره .
وَهُوَ الْعَلِيُّ
الشأن الذي لا يعلوه شيء وهو يعلو كل شيء ، ويقهره بالفناء
الْعَظِيمُ
الذي لا يتصوّر كنه عظمته ، وكل عظمة تتصور لشيء فهي رشحة من عظمته ، وكل عظيم فبنصيب من عظمته وحصة منها عظيمة . فالعظمة مطلقا له دون غيره ، بل كلها له ، ليس لغيره فيها نصيب . وهي أعظم آية في القرآن لعظم مدلولها . [ 256 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ]

لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 )
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
لأن الدين في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي ، اللازم للفطرة الإنسانية ، المستلزم للإيمان اليقيني . كما قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 1 » ، والإسلام الذي هو ظاهر الدين مبتن عليه وهو أمر لا مدخل للإكراه فيه . والدليل على أنّ باطن الدين وحقيقته الإيمان كما أن ظاهره وصورته الإسلام ما بعده
قَدْ تَبَيَّنَ
أي تميز
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
بالدلائل الواضحة لمن له بصيرة وعقل ، كما قيل : قد أضاء الصبح لذي عينين .
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
أي : ما سوى اللّه وينفي وجوده وتأثيره
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
إيمانا شهوديا حقيقيا
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
أي : تمسك بالوحدة الذاتية التي وثوقها وإحكامها بنفسها ، فلا شيء أوثق منها ، إذ كلّ وثيق بها موثوق ، بل كل وجود بها موجود وبنفسه معدوم ، فإذا اعتبر وجوده فله انفصام في نفسه لأن الممكن وثاقته ووجوده بالواجب ، فإذا قطع النظر عنه فقد انقطع وجود ذلك الممكن ولم يكن في نفسه شيئا . ولا يمكن انفصامه عن وجود عين ذاته ، إذ ليس فيه تجزؤ واثنينية ، وفي الانفصام لطيفة وهو أنه انكسار بلا انفصال . ولما لم ينفصل شيء من الممكنات من ذاته تعالى ، ولم يخرج منه ، لأنه إما فعله وإما صفته ، فلا انفصال قطعا ، بل إذا اعتبره العقل بانفراده كان منفصما ، أي : منقطع الوجود متعلقا وجوده بوجوده تعالى
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
يسمع قول ذوي دين
عَلِيمٌ
بنياتهم وإيمانهم . [ 257 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ]

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 )
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
متولي أمورهم ومحبتهم
يُخْرِجُهُمْ
من ظلمات صفات النفس وشبه الخيال والوهم ، إلى نور اليقين والهدى وفضاء عالم الروح
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ
ما يعبدون من دون اللّه
يُخْرِجُونَهُمْ
من نور الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفس والشكوك والشبهات .
هامش
( 1 ) سورة الروم ، الآية : 30 .