تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
الملكوت والجبروت وأرواحا مجرّدة ، إذ كل مجرد كلمة لأنه من عالم الأمر كما سمي عيسى كلمة أو تلقن منه معارف وعلوما وحقائق .
فَتابَ عَلَيْهِ
تقبّل رجوعه إليه بالتجرّد عن الملابس الطبيعية والانخراط في سلك الأنوار الملكوتية ، والاتصاف بالكمالات القدسية ، والتجلّي بالعلوم الحقيقية . وأصل تاب عليه : ألقى الرجوع عليه وجعله راجعا . ولعمري إنها هي التوبة المقبولة لا الرجوع الناشئ من قبله .
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
الكثير القبول لتوبة عباده
الرَّحِيمُ
الذي سبقت رحمته غضبه ، فيرحم عبده في حين غضبه ، كما جعل غضبه على آدم سبب كماله ورجوعه إليه وبعده ليقرب منه . [ 38 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 38 ]

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
كرر ذلك الأمر بالهبوط ليفيد أنه هو الذي أراد ذلك ولولا إرادته لما قدر إبليس على إغوائهم ، ولهذا أسند الإهباط إلى نفسه مجردا عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان ، فهو قريب مما قال لنبيه :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » فتفطن منه سرّ قضائه وقدره وبين وجه حكمة الإهباط بتعقيبه بقوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
وإيراده بالفاء إذ لولا الهبوط لما أمكنهم من متابعة الهدى ، ولما تميز السعيد والشقيّ ، ولا حصل استحقاق الثواب والعقاب ، ولبطل دار الجزاء من الجنة والنار ، بل ما وجدت . والهدى هو الشرع فمن تبعه أمن سوء العاقبة فلم يخف مما يأتي من العقاب والفناء ، وتسلى عن الشهوات واللذات ، فلم يحزن على ما فاته من حطام الدنيا ونعيمها لاكتحال بصيرته بنور المتابعة واهتدائه إلى ما لا يقاس بلذات الدنيا من الأذواق الروحانية ، والفتوحات السريّة ، والمشاهدات القلبية ، والعلوم العقلية ، والمواجيد النفسية . [ 39 - 41 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 39 إلى 41 ]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أي : حجبوا عن الدين لكونه في مقابلة اتباع الهدى . وإردافه بقوله :
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
أي : نار الحرمان
هُمْ فِيها خالِدُونَ * يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
بنو إسرائيل هم أهل اللطف الإلهيّ ، وأرباب نعمة الهداية والنبوة ، دعاهم باللطف وتذكير النعمة السابقة ،
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 17 .