تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
وتعريضهم بأولويتهم لذلك بقولهم :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
هو احتجابهم عن ظهور معنى الإلهية والأوصاف الربانية فيه التي هي من خواص الهيئة الاجتماعية والتركيب الجامع للعالمين الحاصر لما في الكونين . وعلمهم بصدور الأفعال البهيمية التي هي الإفساد في الأرض ، والسبعية المعبر عنها بسفك الدماء اللتين هما من خواص قوّة الشهوة والغضب الضروري وجودهما في تعلق الروح بالبدن ، وبنزاهة ذواتهم وتقدّس نفوسهم عن ذلك ، إذ كل طبقة من الملائكة المقدّسة تطلع على ما تحتها وما في أنفسها ولا تطلع على ما فوقها ، فهي تعلم أنه لا بدّ في تعلق الروح العلوي النوراني بالبدن السفلي الظلماني من واسطة تناسب الروح من وجه ، وتناسب الجسم من وجه ، هي النفس ، وهي مأوى كل شرّ ، ومنبع كل فساد . ولا تعلم أن الجمعية الإنسانية جالبة للنور الإلهيّ الذي هو سرّ
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
والفرق بين التسبيح والتقديس ، أن التسبيح : هو التنزيه عن الشريك والعجز والنقص . والتقديس : هو التنزيه عن التعلق بالمحل وقبول الانفعال وشوائب الإمكان والتعدّد في ذاته وصفاته وكون شيء من كمالاته بالقوة . فالتقديس أخص ، إذ كل مقدّس مسبح وليس كلّ مسبح مقدسا ، فالملائكة المقرّبون الذين هم الأرواح المجرّدة بتجرّدهم وعدم احتجابهم عن نور ربهم وقهرهم ما تحتهم بإفاضة النور عليهم ، وتأثيرهم في غيرهم ، وكون جميع كمالاتهم بالفعل مقدّسون وغيرهم من الملائكة السماوية والأرضية مسبّحون ببساطة ذواتهم وخواص أفعالهم وكمالاتهم . [ 31 - 33 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 31 إلى 33 ]

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 )
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
أي : ألقى في قلبه خواص الأشياء التي تعرف بها هي ومنافعها ومضارّها
ثُمَّ عَرَضَهُمْ
أي : عرض مسمياتها
عَلَى الْمَلائِكَةِ
بشهودهم البنية الإنسانية ومرافقتهم لآدم في التنزيل . ومعنى قوله :
فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
إرادته لانتعاشهم ببعض معلومات الإنسان باقتضاء التركيب الإنساني ، وتأدّي محسوساته ومعلوماته المتنوعة منها والحادثة فيه بخاصية التركيب والهيئة الاجتماعية إلى ذواتهم بعد ما لم تكن ، إذ علومهم تابعة لعلمه وهو معنى إفحامهم وتعلق إرادته بذلك أمر آدم بالإنباء إذ جميع القوى الإنسانية والملائكة التي بحضرته تنتعش بما لا تنتعش هي في غير ذلك المحل ، وهو معنى إنباء آدم إياهم .