والعهد السالف المأخوذ منهم في التوراة بتوحيد الأفعال بعد العهد الأزليّ كما هو عادة الأحباب عند الجفاء .
ألم يك بيننا رحم ووصل * وكان بنا المودّة والإخاء
وهذه الدعوة مخصوصة بتوحيد الصفات الذي هو رفع الحجاب الثاني ، فهي أخص من الدعوة الأولى العامة لتذكير النعمة الدينية والعهد والتجلّي بصفة المنعم والوليّ ، والتهديد على عدم إجابتها بالرهبة التي هي أخصّ من الخوف ، فإن الخوف إنما يكون من العقاب ، والرهبة من السخط والقهر ، والإعراض والاحتجاب والخشيّة أخص منها لكونها مخصوصة باحتجاب الذات . قال اللّه تعالى :
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
« 1 » . وكذا الهيبة لأنها قرنت بعظمة الذات .
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ
من القرآن على حبيبي من توحيد الصفات
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
في التوراة من توحيد الأفعال
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
أي : أول محجوب عنه لاحتجابكم باعتقادكم
وَلا تَشْتَرُوا
أي : لا تستبدلوا
بِآياتِي
الدالة على تجلّيات ذاتي وصفاتي كسورة ( الإخلاص ) وآية ( الكرسي ) وأمثالهما ،
ثَمَناً قَلِيلًا
أي : جنتكم النفسية لتألفكم بالملاذ الحسيّة وثواب الأعمال بتوحيد الأفعال . وإن اتقيتم عن الشرك فاتقوا سطوة قهري وجلالي وحجابي بابتغاء رضاي فلا تثبتوا صفة لغيري .
[ 42 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 42 ]
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 )
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
أي : ولا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة كعلمه وقدرته وإرادته بالباطل الذي هو صفات نفوسكم بظهورها بصفاتها وعدم تمييزكم بين دواعيها وخواطرها ودواعي الحق وخواطره ، ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وسترها إياها عند ظهورها
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
من علم توحيد الأفعال أنّ مصدر الفعل هو الصفة ، فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفة لغيره .
[ 43 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 43 ]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
طلبا لمرضاتي لا رجاء لثوابي ، ومصداقه قوله :
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
إذ الركوع هو الخضوع والإذعان لما يفعل به فهو علامة الرضا الذي هو ميراث تجلّي الصفات وغايته ، أي : ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي والتوجه عند القيام بالفعل علامة طلب الثواب والأجر لاستقلال النفس بصورتها ، والسجود الذي هو غاية
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، الآية : 21 .