اللّه وتعبده ، وقطعهم ما أمر اللّه بوصله إعراضهم عن اتصال روح القدس والمبادئ العالية والأرواح السماوية التي هي الملأ الأعلى ، وسكان الحضرة الإلهية من أهل الجبروت والملكوت الذين يجانسونهم بذواتهم وصفاتهم ، وهم أهل قرابتهم الحقيقية ، ورحمهم الظاهر المأمور بوصله حقيقة بتوجههم إلى العالم السفليّ ومحبتهم للجواهر الفاسقة المظلمة ، وعشقهم وشغفهم بالأمور الخسيسة الفانية . ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه يحب معالي الأمور وأشرافها ، ويبغض سفاسفها »
، إذ كلما كان مطلوب النفس أخسّ كانت عن العالم الشريف أبعد .
ضروب الناس عشاق ضروبا * فأغدرهم أشقهم جيوبا
وقد مرّ تفسير الإفساد في الأرض ، والخسران الذي هو تضييع الجوهر النوريّ الباقي لأجل الظلمانيّ الفاني .
[ 28 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 28 ]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 )
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
أي : على أيّ حال تحجبون عنه
وَ
الحال أنكم
كُنْتُمْ أَمْواتاً
نطفا في أصلاب آبائكم
فَأَحْياكُمْ
أي : لم لا تستدلون بالخلق على الخالق
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بالموت الطبيعي
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بالبعث ، إذ الأوّل معلوم بالمشاهدة ، والثاني بالاستدلال عليه بالإنشاء الأوّل
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
للمجازاة ، أو ثم يميتكم عن أنفسكم بالموت الإراديّ الذي هو الفناء في الوحدة ثم يحييكم بالحياة الحقيقية التي هي البقاء بعد الفناء بالوجود الموهوب الحقانيّ . ثم إليه ترجعون للمشاهدة إن كانت الوحدة وحدة الصفات ، أو الشهود إن كانت وحدة الذات .
[ 29 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
أي : الجهة السفليّة التي هي العالم العنصريّ جميعا لكونها مبادئ خلقكم وموادّ وجودكم وبقائكم
ثُمَّ اسْتَوى
أي : قصد قصدا مستويا إلى الجهة العلوية ، وثم للتفاوت بين الجهتين والإيجادين الإبداعيّ والتكويني لا للتراخي بين الزمانين ليلزم تقدّم خلق الأرض على السماء .
فعدّلهنّ سبع سماوات بحسب ما تراه العامة ، إذ الثامن والتاسع هو الكرسيّ والعرش الظاهران . والحقيقة أنّ الجهة السفليّة هي العالم الجسمانيّ كالبدن وأعضائه لدنوّ رتبته بالنسبة إلى العالم الروحانيّ الذي هو الجهة العلوية المعبر عنها بالسماء . وثم للتفاوت بين الخلق