تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
عالمهم ؟ بل ربما تتآلفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها ، فإذا لم تتحصل أغراضهم من النفع واللّذة تهارشوا وتباغضوا وبطلت الألفة التي كانت بينهم ، لكونها مسببة عن أمر قد تغير إذ النفس منشأ التغير والمنافع الدنيوية لا تبقى بحالها ، واللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها بخلاف المحبة الأولى ، فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلا ، هذا إذا كانت فيما بينهم ، فكيف إذا كانت بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف ؟ وأنّى يتجانس النور والظلمة ؟ ومن أين يتوافق العلو والسفل ؟ فبينهما عداوة حقيقية وتخالف ذاتي لا تخفى آثاره كما بيّن اللّه تعالى بقوله :
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
لامتناع اختفاء الوصف الذاتيّ . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما أضمر أحد شيئا إلا وأظهره اللّه في فلتات لسانه وصفحات وجهه » .
وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
لأنه نار وهذا شرار ، ذاك أصل ، وهذا فرعه
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ
دلائل المحبة والعداوة وأسبابهما
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
أي : تفهمون من فحوى الكلام . [ 119 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 119 ]

ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 )
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ
بمقتضى التوحيد ، إذ الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ، ويراهم متصلين بنفسه اتصال الأحماء والأقرباء بل اتصال الأجزاء ، فينظر إليهم بنظر الرحمة الإلهية والرأفة الربانية ، ويعطف عليهم مترحما إذ يراهم أهل الرحمة شغلوا بالباطل ، وابتلوا بالقدر ولا يحبونكم بمقتضى الحجاب والبقاء في ظلمة النفس وتضادّ الطبع .
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ
أي بجنس الكتاب
كُلِّهِ
لشمول علمكم التوحيدي ، ولا يؤمنون للتقيد بدينهم والاحتجاب بما هم عليه
وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا
لنفاقهم المستجلب لأغراضهم العاجلة
وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
لحقدهم الذاتي وبغضهم الكامن والباقي ظاهر . [ 120 - 124 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 120 إلى 124 ]

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 )
وَإِنْ تَصْبِرُوا
على ما يبتليكم اللّه به من الشدائد والمحن والمصائب ، وتثبتوا على مقتضى التوحيد والطاعة
وَتَتَّقُوا
الاستعانة بهم في أموركم والالتجاء إلى ولايتهم