هُمْ فِيها خالِدُونَ
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
لكونكم موحدين ، قائمين بالعدل الذي هو ظله
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
إذ لا يقدر على ذلك إلا الموحد العادل لعلمه بالمعروف والمنكر ، كما مرّ في تأويل قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
« 1 » .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « نحن النمرقة الوسطى ، بنا يلحق التأويل ، وإلينا يرجع الغالي »
. فيأمرون المقصر بالمعروف الذي يوصله إلى مقام التوحيد ، وينهون الغالي المحجوب بالجمع عن التفصيل وبالوحدة عن الكثرة .
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
أي : تثبتون في مقام التوحيد الذي هو الوسط ، وكذا في كلّ تفريط وإفراط واعتدال في باب الأخلاق
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ
لكانوا مثلكم .
[ 111 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 111 ]
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 )
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
لكونهم منقطعين عن أصل القوى والقدر ، كائنين في الأشياء بالنفس التي هي محل العجز والشرّ ، وأنتم معتصمون باللّه ، معتضدون به ، كائنون في الأشياء بالحق الذي هو منبع القهر . فقدرتهم لا تبلغ إلا حدّ الطعن باللسان والخبث والإيذاء الذي هو حدّ قدرة النفس ونهايتها ، وقدرتكم تفوق كلّ قدرة بالقهر والاستئصال لاتصافكم بصفات اللّه تعالى ، فلا جرم ينهزمون منكم عند المقاتلة ولا ينصرون .
[ 112 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 112 ]
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 112 )
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
لأنّ العزّة للّه جميعا ، فلا نصيب فيها لأحد إلا لمن تخلّق بصفاته بمحو صفات البشرية ، كالرسول والمؤمنين الذين هم مظاهر عزّته ، كما قال اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
« 2 » ، فمن خالفهم فهو مضادّ لصفة العزّة ، مباين للأعزاء ، فتلزمه الذلّة وتشمله على أي حال يكون ، إلا برابطة ما بينه وبين أهل العزّة كقوله :
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
أي : ذمّة وعهد ، وذلك يكون أمرا عارضيا لا أصل له مرتبطا برابطة مجعولة فلا تقابل صفتهم الذاتية اللازمة لهم التي هي الذلّة الناشئة من أصل نفوسهم .
واستحقوا غضبا شديدا من عند اللّه لبعدهم وإعراضهم عن الحق ، ولزمتهم المسكنة لانقطاعهم عن اللّه إلى نفوسهم فوكلهم إلى أنفسهم .
[ 113 - 116 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 116 ]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 )
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 143 .
( 2 ) سورة المنافقون ، الآية : 8 .