وأهويتهم ، ويترتب على ذلك فهوم متباينة ، وأخلاق متعادية ، فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام تتحد عقائدهم وسيرهم وآراؤهم بمتابعته ، وتتفق كلماتهم وعاداتهم وأهواؤهم بمحبته وطاعته كانوا مهملين متفرّقين فرائس للشيطان كشريدة الغنم تكون للذئب ، ولهذا
قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « لا بدّ للناس من إمام برّ أو فاجر »
. ولم يرسل نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلين فصاعدا لشأن إلا وأمر أحدهما على الآخر وأمر الآخر بطاعته ومتابعته ليتحد الأمر وينتظم ، وإلا وقع الهرج والمرج ، واضطرب أمر الدين والدنيا ، واختلّ نظام المعاش والمعاد .
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنّة »
.
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه مع الجماعة »
. ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برياسة القلب وطاعة العقل كيف اختل نظامها وآلت إلى الفساد والتفرّق الموجب لخسارة الدنيا والآخرة ، ولما نزل قوله تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
« 1 » .
خطّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطّا فقال : « هذا سبيل الرشد »
، ثم خطّ عن يمينه وشماله خطوطا فقال : « هذه سبل على كلّ سبيل شيطان يدعوه إليه »
. [ 106 - 110 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 106 إلى 110 ]
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 )
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
ابيضاض الوجه عبارة عن تنوّر وجه القلب بنور الحق للتوجه إليه والإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة ، وذاك لا يكون إلا بالتوحيد والاستقامة فيه بتنوّر النفس أيضا بنور القلب . فتكون الجملة متنوّرة بنور اللّه واسوداده ظلمة وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة حظوظها والإعراض عن الجهة النوريّة الحقيّة لمصادقة النفس ومتابعة الهوى في تحصيل لذاتها ، وذلك إنما يكون باتباع السبل المتفرّقة الشيطانية .
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
فيقال لهم :
أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
أي : احتجبتم عن نور الحق بصفات النفس الظلمانية ، وسكنتم في ظلماتها بعد هدايتكم وتنوّركم بنور الاستعداد ، وصفاء الفطرة وهداية العقل
فَذُوقُوا
عذاب الحرمان باحتجابكم عن الحق
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
التي هي روح الوصال ونور القدس وشهود الجمال
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 153 .