كونهما معاً أمارة - هو أن الاستصحاب أخذ الشكّ وعدم العلم في لسان دليله ، أما خبر الثقة فلم يؤخذ الشكّ وعدم العلم في لسان دليله ، فيكون خبر الثقة حجّة مطلقاً ، إلا في صورة حصول العلم الوجداني بخطأ الأمارة ، لحكم العقل باستحالة جعل الحجّية للأمارة مع العلم بمخالفتها للواقع ، وهذا يعني أن الخارج عن إطلاق دليل الأمارة هو العلم الوجداني بالخلاف ويبقى تحت إطلاق حجّة الأمارة العلم التعبّدي بالخلاف الذي يقتضيه الاستصحاب .
وعلى هذا يكون دليل خبر الثقة رافعاً للشكّ الذي هو موضوع الاستصحاب بالعلم التعبّدي دون العكس ، وهذا هو معنى الحكومة .
وبعبارة السيد الخوئي ( قدس سره ) : ( أمّا الحكومة فهي عبارة عن انتفاء الموضوع لثبوت المتعبّد به بالتعبّد الشرعي ، وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الأصول الشرعية التي منها الاستصحاب ، فإنه بعد ثبوت ارتفاع المتيقّن السابق بالتعبّد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب ، إذ موضوعه الشك ، وقد ارتفع تعبّداً ، وإن كان باقياً وجداناً لعدم كون الأمارة مفيدة للعلم على الفرض ، وكذا سائر الأصول الشرعية ، فإنه بعد كون الأمارة علماً تعبّدياً - لما في تعبير الأئمّة ( عليهم السلام ) عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف والفقيه والعالم - لا يبقى موضوع لأصل من الأصول الشرعية تعبّداً .
فتحصّل مما ذكرناه : أن تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب الورود ؛ إذ بمجرّد ثبوت التعبّد بالأمارة لا يرتفع موضوع التعبّد بالاستصحاب لكون الشكّ وهو باقٍ بُعَيد قيام الأمارة على الفرض ، بل تقديمها عليه إنما هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقةً بين الدليل الحاكم والمحكوم عليه ) « 1 » .
هامش
( 1 ) مصباح الأصول : ج 3 ، ص 252 .