الثاني : إنّ التعارضَ المستقرَّ تارةً يستوعُب تمامَ مدلولِ الدليل ، كما في الدليلَينِ المتعارضَين الواردَينِ على موضوعٍ واحد ، وأخرى يشملُ جزءاً من المدلول كما في العامَّين مِن وجهٍ . وما تقدّمَ مِن نظريةِ التعارضِ كما ينطبقُ على التعارضِ المستوعبِ ، كذلك ينطبقُ على التعارض غيرِ المستوعب ، ولكن يختلفُ هذانِ القسمانِ في نقطةٍ ، وهي : أنّه في حالات التعارضِ المستوعبِ بين دليلَينِ ظنّيَّينِ دلالةً وسنداً يسري التنافي إلى دليل حجّيةِ الظهور ، وبالتالي إلى دليل التعبُّدِ بالسند . وأمّا في حالاتِ التعارضِ غير المستوعبِ بينَهما فالتنافي يسري إلى دليل حجّيةِ الظهور ، ولكن لا يمتدُّ إلى دليل التعبُّدِ بالسند ، بمعنى أنّه لا موجبَ لرفعِ اليدِ عن سندِ كلٍّ من العامّينِ من وجهٍ رأساً .
فإن قيل : إنّ التنافيَ في دليل حجّيةِ الظهور يتوقّفُ على افتراضِ ظهورينِ متعارضَين ، ونحنُ لا نحرزُ ذلك في المقام إلّا بدليلِ التعبّدِ بالسند ، فالتنافي في الحقيقةِ نشأ من دليلِ التعبُّد بالسند .
كان الجوابُ : أنّ هذا صحيحٌ ولكنه لا يعني طرح السند رأساً ، فإنّ مفادَ دليلِ التعبّدِ بالسند ثبوتُ الكلامِ المنقولِ بلحاظِ تمامِ ما له من آثارٍ ، ومن آثاره حجّيةُ عمومِه في مادّة الاجتماعِ وحجّيةُ عمومِه في مادّة الافتراق . فإذا تعذّرَ ثبوتُ الأثرِ الأوّلِ للتعارض ثبتَ الأثرُ الثاني ، وهو معنى عدم سقوطِ السندِ رأساً . وأما حينَ يتعذّرُ ثبوتُ كلِّ ما للكلام المنقولِ من آثارٍ - كما في حالات التعارضِ المستوعب - فيقومُ التعارضُ بين السندَينِ لا محالةَ .
ومن هنا نستطيعُ أن نعرفَ أنّه في كلِّ حالاتِ التعارضِ بين مدلولَي دليلينِ ظنّيَّينِ سنداً يقع التعارضُ ابتداءً في دليل التعبُّدِ بالسند لا في دليل حجّيةِ الظهور - لأنّنا لا نحرزُ وجودَ ظهورَينِ متعارضَينِ إلّا من ناحية التعبُّدِ
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 186
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص١٨٦