النقطة الثانية : إن جعل الحكم الكلّي بحدّه الكلّي حقيقةً وواقعاً ، غير معقول . وأما جعله الإنشائي فلا مانع منه ، ومعنى جعل الحكم إنشاء تصوّر الجامع والتصديق به واستعمال اللفظ فيه إخباراً أو إنشاء ، وهذا ليس من الإيجاد الحقيقي للجامع ، لأن الوجود الإنشائي ليس وجوداً بالذات للجامع .
النقطة الثالثة : إن إنشاء الحكم إذا كان بداعي جعل الداعي واقعاً وحقيقة ، فهو ناشئ من الإرادة الحقيقية الموجودة في نفس المولى الناشئة من المصلحة الواقعية ، وحينئذ فإن كانت المصلحة لزوميةً فالحكم المنشأ حكمٌ واقعيٌّ متمثّلٌ في الوجوب ، إن لم تكن لزوميةً فالحكم المذكور استحبابي .
وأما إذا كان الإنشاء بداعي جعل الداعي ظاهراً ، فهو غير ناشئ من الإرادة الواقعية الناشئة من المبادئ الحقيقية في الواقع .
النقطة الرابعة : إن المماثلة بين الحكم الظاهري - الذي هو مفاد الاستصحاب - وبين الحكم الواقعي المتيقّن إنما هي في الإنشاء الظاهري الذي لم ينشأ من المبادي الواقعية ، فإذن ليس الحكم الظاهري مماثلًا للحكم الواقعي في جميع الجهات ، حيث إنه لا تماثل بينهما في المبادي والملاكات الواقعية ، والتماثل بينهما إنما هو في الإنشاء ، فمدلول الأمارة حكم ظاهري إنشائي مماثل لمؤدّاها الذي هو حكم واقعي على تقدير المطابقة ، ومفاد الاستصحاب حكم ظاهري إنشائي مماثل للمتيقّن .
فإذا كان المتيقّن ذات المطلوبية المردّدة بين الوجوب والندب ، فيكون مفاد
الاستصحاب جعل الطلب وإنشائه بداعي جعل الداعي ظاهراً لا واقعاً حتى يكون مصداقاً للوجوب أو الندب ؛ فالمماثلة إنما هي في إنشاء الطلب الظاهري « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر حاشية المحقّق الأصفهاني على الكفاية : ج 5 ، ص 139 .