المسألة هو التخيير بين طرفيها عقلًا من دون أن يكون فيها حكم ظاهري شرعي .
وقد حاول لإثبات ذلك بعدّة محاولات :
المحاولة الأولى : أن الروايات التي يكون مفادها جعل الحلّية للشيء المشكوك كروايات الحل لا تشمل المقام ، لأن جعل الحلّية في هذه المسألة غير محتمل ؛ لأن حكم المسألة مردّد بين الوجوب والحرمة ولا ثالث لهما ، ومن الواضح أن أصالة الحل إنما تجري فيما إذا احتمل مطابقتها للواقع ، وأما فيما إذا علم بمخالفتها له فلا يمكن جعلها ، وحيث إنا نعلم في المقام وجداناً أن أصالة الحلّ في المسألة مخالفة للواقع ، ولهذا لا يمكن جعلها ، لأن جعل الحكم الظاهري للشيء منوط باحتمال مطابقته للواقع .
المحاولة الثانية : أن أدلّة البراءة إذا كانت من قبيل حديث الرفع ، بأن يكون لسانها رفع الحكم عند عدم العلم به ، فلا تشمل المقام ، وقد أفاد في وجه ذلك أن رفع الحكم عن مورد سواءً كان الحكم الواقعي أم الظاهري لا يمكن إلا إذا أمكن وضعه فيه ، بداهة أن وضع الحكم إذا لم يكن في مورد فلا موضع للرفع ، وحيث إن مفاد حديث الرفع ، رفع إيجاب الاحتياط ، فمن الطبيعي أنه لا يمكن رفعه عن مورد إلا إذا أمكن وضعه فيه ، وإلا فلا معنى للرفع ولا موضوع له ، وفي المقام بما أنه لا يمكن وضع إيجاب الاحتياط لكلّ من الفعل والترك معاً ، فلا يمكن الرفع أيضاً لكي يكون مشمولًا لحديث الرفع .
فالنتيجة أن أدلّة البراءة الشرعية سواء أكانت من قبيل روايات الحلّ أم كانت من قبيل حديث الرفع ، لا تشمل مسألة دوران الأمر بين المحذورين .
وناقش السيد الخوئي في ذلك ، بأن وضع إيجاب الاحتياط لكلّ من الفعل والترك معاً وإن كان لا يمكن ؛ لاستلزامه التكليف بالجمع بين النقيضين وهو مستحيل ، فإذا استحال الوضع استحال الرفع أيضاً .
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 21
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢١