مورد جريان الأصول العملية
لا شكّ في جريان الأصولِ العمليةِ الشرعيةِ عند الشكّ في الحكم التكليفيِّ الواقعيِّ لتنجيزه ، كما في أصالة الاحتياط ، أو للتعذيرِ عنه كما في أصالة البراءة ، ولكن قد يُشكُّ في التكليف الواقعيِّ ويُشكُّ في قيام الحجّةِ الشرعيةِ عليه بنحوِ الشبهةِ الموضوعية - كالشكّ في صدورِ الحديث - أو بنحو الشبهةِ الحكمية - كالشكّ في حجّية الأمارةِ المعلومِ وجودُها - فهل يوجدُ في هذه الحالةِ موردانِ للأصل العمليِّ فنجري البراءةَ عن التكليف الواقعيِّ المشكوكِ ونجري براءةً أخرى عن الحجّيةِ أي : الحكم الظاهريِّ المشكوك ، أو تكفي البراءةُ الأولى ؟
وبكلمةٍ أخرى : إنّ الأصولَ العمليةَ هل يختصُّ موردُها بالشكّ في الأحكام الواقعيةِ أو يشملُ موردَ الشكّ في الأحكام الظاهريةِ نفسِها ؟
قد يقالُ بأنّنا في المثال المذكورِ نحتاجُ إلى براءتين ؛ إذ يوجدُ احتمالان صالحانِ للتنجيز ، فنحتاجُ إلى مؤمِّنٍ عن كلٍّ منهما :
أحدُهما : احتمالُ التكليفِ الواقعي ، ولنسمِّه بالاحتمال البسيط .
والآخرُ : احتمالُ قيام الحجّةِ عليه ، وحيث إنّ الحجّيةَ معناها إبرازُ شدّةِ اهتمام المولى بالتكليف الواقعيِّ المشكوك - كما عرفنا سابقاً عند البحث في حقيقة الأحكامِ الظاهرية - فاحتمالُ الحجّةِ على الواقع المشكوكِ يعني احتمالَ تكليفٍ واقعيٍّ متعلّقٍ لاهتمام المولى الشديدِ وعدمِ رضائِه بتفويتِه ، ولنسمِّ هذا بالاحتمال المركّب .
وعليه فالبراءةُ عن الاحتمال البسيطِ لا تكفي بل لابدّ مِن التأمين مِن ناحيةِ الاحتمال المركّبِ أيضاً ببراءةٍ ثانية .
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 96
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٩٦