القسم الثالث : التزاحم الحفظي
وهو التزاحم الذي يقع بين ملاكات الأحكام الواقعية ، من قبيل مواجهة المكلّف لنوعين من اللحم ، أحدهما حرام والآخر مباح ، واختلط عليه ، فلم يعرف المباح من الحرام ، فما هو موقفه العملي ؟ وماذا يقول الشارع في هذه الحالة ؟ ففي هذه الحالة تارة يأمر الشارع المكلّف بالاجتناب عن كلا النوعين من اللحم ، أي : يجب الاحتياط .
وتارة يجوّز الشارع الأكل من كليهما ، أي : براءة أو إباحة . فالتزاحم في هذه الحالة وقع بين الأغراض التحريمية والأغراض الترخيصية .
ومن الواضح أن هذا التزاحم يقع بلحاظ عمل الشارع ، فإن غلَّب الشارع - وفقاً لقوانين خاصّة سيأتي بيانها - جانب الغرض اللزومي على الغرض الترخيصي حكم بالاحتياط ، وإن غلّب الغرض الترخيصي حكم بالإباحة .
ولا يخفى أن ملاك البراءة أو الاحتياط - اللذين هما حكمان ظاهريان - هو نفس ملاك الأحكام الواقعية ، فملاك الاحتياط هو عين ملاك الحرمة الواقعية ، وملاك الإباحة هو عين ملاك الإباحة الواقعية ، وعلى هذا فلا يوجد تضادّ بين الحكم الظاهري والواقعي ؛ لأنّ الحكم الظاهري نشأ من نفس متعلّق الحكم الواقعي ، ولم ينشأ من متعلّق آخر غير متعلّق الحكم الواقعي ، فلا يلزم التصويب في الأحكام الواقعية . ومن هنا سميت الأحكام الظاهرية ( الاحتياط أو البراءة ) أحكاماً طريقية ، لتنجيز الأحكام الواقعية .
ويفترق هذا القسم من التزاحم عن التزاحم الملاكي ، بأن التزاحم الحفظي يقع في موضوعين أو أكثر ، ويفترق أيضاً عن التزاحم الامتثالي بأنه ( التزاحم الحفظي ) من قبل المولى لا من فعل العبد .
بعبارة أخرى : إنّ التزاحم الحفظي أُخذ فيه خصوصية من التزاحم الملاكي وهو كونه من فعل المولى ، وأُخذ خصوصية من التزاحم الامتثالي وهي تعدّد